السبت - 29 اغسطس 2026

“المنتسب” العراقي بين حماية الدولة وخوف العقوبة..!

منذ يوم واحد
السبت - 29 اغسطس 2026

كندي الزهيري ||

 

 

 

هناك مفارقة مرعبة في الدولة العراقية لا يمكن تجاهلها: نريد من رجل الأمن أن يكون صلباً، عندما يواجه مسلحاً أو إرهابياً أو معتدياً على حياة الناس وممتلكاتهم، لكننا في الوقت نفسه نضعه داخل منظومة تجعله يفكر (ألف مرة) قبل أن يستخدم القوة التي منحه القانون حق استخدامها.

المنتسب في القوات الأمنية العراقية، يدخل إلى الشارع وهو يحمل سلاح الدولة وقانونها ، لكنه يحمل معه أيضاً خوفاً ثقيلاً من ( العقوبة العسكرية واللاحقة القانونية ، ومجالس التحقيق والطرد من الخدمة والمساءلة الإدارية والعشائرية والإعلام) ، الذي قد يحوّل لحظة ميدانية معقدة إلى قضية “رأي عام” خلال ساعات.

فكيف نطلب من إنسان أن يحمي حياة الآخرين، بينما يشعر أن مستقبله الوظيفي وحياته الإجتماعية والقانونية قد تكون مهددة ،بسبب قرار اتخذه خلال ثوانٍ في موقف لا يملك فيه رفاهية التفكير الطويل؟، المشكلة ليست في أن يُحاسب المنتسب إذا أخطأ…

بل على العكس تماماً، لا توجد دولة مؤسسات من دون مساءلة، ولا يمكن منح الأجهزة الأمنية حصانة مطلقة من القانون، لكن الفرق كبير بين (المساءلة المهنية العادلة وبين تحويل القانون إلى مصدر خوف دائم)، يجعل رجل الأمن يرى الخطر أمامه وفي الوقت نفسه يرى خلفه محكمة وتحقيقاً ومجلساً وعقوبة وإعلاماً وعشيرة.وهنا يبدأ الخلل الإستراتيجي الأكبر …

الدولة التي تضعف قدرة رجل الأمن على إتخاذ القرار في الميدان لا تحمي المواطن، بل تضعف إحدى أهم أدوات حماية المواطن. رجل الأمن في لحظة الخطر لا يملك الوقت الكافي لاستدعاء “المستشار القانوني أو قراءة التعليمات أو الإتصال بمجلس التحقيق”.

هناك ثوانٍ قد تفصل بين إنقاذ حياة إنسان وبين سقوط قتيل. وفي تلك الثواني تحديداً يجب أن يكون المنتسب متيقناً من قواعد الاشتباك ومن حدود إستخدام القوة ومن الحماية القانونية، التي توفرها له الدولة عندما يتصرف بحسن نية وضمن واجبه.

أما أن نطالبه بالبطولة عندما يواجه الخطر ثم نتركه وحيداً أمام تبعات قراره بعد إنتهاء الخطر، فهذه ليست عدالة مؤسسية، وإنما خلل في إدارة المخاطر.

الأخطر من ذلك أن بعض الممارسات السياسية والإجتماعية والإعلامية صنعت بيئة يصبح فيها المنتسب (الحلقة الأضعف) في المعادلة. المعتدي قد يعرف كيف يستثمر الثغرات القانونية، والجهة السياسية قد تمتلك أدوات الضغط، والفضاء الإعلامي يستطيع صناعة رواية قبل إكتمال التحقيق، والضغط العشائري قد يتحول إلى قوة موازية للقانون، بينما يقف المنتسب في المنتصف مطالباً بأن يكون شجاعاً دون أن تمنحه الدولة الغطاء المؤسسي الذي يحتاجه…

وهذه معادلة خطيرة، لأن رجل الأمن عندما يفقد الثقة بأن مؤسسته ستقف إلى جانبه ، عندما يؤدي واجبه وفق القانون، تبدأ لديه غريزة البقاء “الوظيفي” بالتغلب على غريزة المبادرة المهنية، وهنا يصبح السؤال في ذهنه ليس: كيف أحمي المواطن؟، بل: ماذا سيحدث لي إذا إتخذت هذا القرار؟، وعندما يتحول هذا السؤال إلى ثقافة عامة داخل المؤسسة الأمنية، فإن الدولة تكون قد خسرت شيئاً أخطر من المعركة الميدانية:

خسرت (المبادرة الأمنية)، والدولة التي تفقد المبادرة تفقد الردع. لا يمكن بناء جهاز أمني محترف بعقلية “عاقب المنتسب أولاً ثم أبحث عن ملابسات الواقعة لاحقاً”. الاحتراف الحقيقي يقوم على منظومة متكاملة: قواعد اشتباك واضحة، تدريب مستمر، توثيق للعمليات، تحقيق مهني مستقل، حماية قانونية للمنتسب الذي يتصرف ضمن صلاحياته، وعقوبة صارمة لمن يتجاوز القانون عمداً.

أما الخلط بين الخطأ المهني والجريمة المتعمدة، وبين إستخدام القوة المشروع والتجاوز، وبين القرار الميداني السريع وسوء النية، فهو ظلم للمنتسب وإضرار بالأمن الوطني في الوقت نفسه.

كما أن الإعلام يحتاج إلى مسؤولية موازية، ليس كل مقطع فيديو دليلاً، وليس كل رواية منشورة حقيقة مكتملة، وليس كل حادثة أمنية مادة صالحة لإصدار حكم قبل إنتهاء التحقيق.

الإعلام المهني من حقه أن يراقب ويكشف ويطرح الأسئلة، لكن تحويل المنتسب إلى متهم قبل إكتمال التحقيق ليس رقابة؛ إنه محاكمة شعبية قد تسبق القضاء…

أما الضغط العشائري، فهو قضية أخرى أكثر خطورة، الدولة التي تسمح بأن يصبح المنتسب محاصراً بين (القانون والعشيرة) تكون قد سمحت عملياً بوجود مسارين للعدالة: مسار رسمي يفترض أن تديره مؤسسات الدولة، ومسار إجتماعي ضاغط يستطيع التأثير في المنتسب وأسرته ومستقبله.

وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة: المنتسب موظف في مؤسسة الدولة، وليس رهينة لأي ضغط “إجتماعي أو سياسي أو عشائري”، وفي المقابل، فإن حماية المنتسب لا تعني إطلاق يده.رجل الأمن الذي يستغل الزي والسلاح والسلطة لإهانة المواطن أو ابتزازه أو الإعتداء عليه أو إستخدام القوة خارج القانون يجب أن يحاسب، وربما تكون محاسبته أشد من غيره لأنه خان ثقة الدولة التي منحته السلطة.

لكن العدالة الحقيقية لا تنحاز للمنتسب ضد المواطن، ولا للمواطن ضد المنتسب. العدالة تنحاز إلى الحقيقة، وهذا هو الفرق بين دولة المؤسسات ودولة ردود الأفعال.العراق يحتاج اليوم إلى إعادة بناء العقد الأمني بين الدولة ومنتسبيها.

يجب أن يعرف المنتسب مسبقاً ما له وما عليه، ومتى يحق له إستخدام القوة، ومتى يتحمل المسؤولية، ومن يحميه إذا التزم القانون، ومن يحاسبه إذا تجاوزه. ويجب أن تكون مجالس التحقيق أدوات للعدالة لا أدوات للرعب الوظيفي، وأن تكون الإجراءات القانونية قائمة على الأدلة والسياق الكامل للواقعة ، لا على الضغوط السياسية والإعلامية.

و الدولة القوية ليست الدولة التي لا تحاسب رجال أمنها، الدولة القوية هي التي تحاسبهم بعدالة وتحميهم بعدالة. أما الدولة التي تخيف المنتسب من القانون أكثر مما تخيف المعتدي من رجل القانون، فهي عملياً تعيد توزيع ميزان القوة لمصلحة الخارجين على القانون، وهنا تقع الكارثة.

لأن المواطن عندما يتصل بالشرطة في لحظة خطر لا يحتاج إلى رجل أمن خائف من القرار؛ يحتاج إلى رجل أمن يعرف صلاحياته، مدرب على استخدامها، واثق بأن الدولة ستوفر له الغطاء القانوني ما دام ملتزماً بالقانون.

لقد آن الأوان للتوقف عن التعامل مع المنتسب العراقي، باعتباره رقماً في جدول الرواتب أو اسماً في سجل الخدمة، هذا الإنسان يقف في الشارع عندما يعود الآخرون إلى بيوتهم.

يقف أمام الإرهاب والجريمة والفوضى والاعتداءات وحماية المنشآت والأموال العامة والخاصة، وإذا كانت الدولة تريد منه أن يواجه كل ذلك بثبات، فعليها أن تمنحه في المقابل منظومة مؤسسية تحمي قراره المشروع.

لا يمكن أن نطلب من رجل الأمن أن يكون أسداً أمام الجريمة ثم نجعله حملاً وديعاً أمام كل من يملك نفوذاً أو عشيرة أو منصة إعلامية أو غطاءً سياسياً.

ولا يمكن أن نريد دولة قوية بأجهزة أمنية تخشى أداء واجبها.المعادلة يجب أن تنقلب: المواطن يحترم رجل الأمن، ورجل الأمن يحترم المواطن، والقانون يحمي الاثنين، والدولة تقف فوق الجميع.

أما تحويل المنتسب إلى الحلقة الأسهل في سلسلة المسؤولية، بحيث يدفع ثمن أخطاء المنظومة السياسية والإدارية والقانونية والإعلامية والإجتماعية، فهو ليس إصلاحاً أمنياً.إنه استنزاف ممنهج لهيبة الدولة، ومن يريد عراقاً آمناً فعليه أن يفهم حقيقة بسيطة: لا تحمي الدولةَ أجهزةٌ أمنيةٌ خائفة، ولا يصنع الردعَ منتسبٌ يشعر أن مستقبله قد يكون ثمناً لكل قرار يتخذه في ثوانٍ.

احموا المنتسب عندما يلتزم القانون، وحاسبوه عندما يخالفه، لكن لا تجعلوا الخوف من الدولة أقوى من الخوف من الجريمة. فإذا خاف رجل الأمن من أن يؤدي واجبه أكثر مما يخاف المجرم من مواجهته، فقد اختل ميزان الدولة. وعندما يختل ميزان الدولة، يدفع المواطن الثمن.

كندي الزهيري…