الخميس - 20 اغسطس 2026

يوسف عليه السلام: وإدارة الدولة..!

منذ ساعة واحدة
الخميس - 20 اغسطس 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

حين قال نبي الله يوسف عليه السلام :
﴿ أَجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ﴾ ، لم يكن يتحدث عن منصبٍ يبحث عنه ولا عن سُلطةٍ يسعى إليها ، بل عن مسؤوليةٍ تتطلب علماً وكفاءةً وأمانةً وحسن تقدير .
وقد جاءت هذه الكلمات في سياق أزمة أقتصادية أستثنائية ، بعد أن فسّر رؤيا الملك ، وأستشرف سنوات الرخاء والجدب ، ثم وضع تصوراً لإدارة الموارد بما يحفظ المجتمع من كارثة قادمة .
وهنا تكمن واحدة من أعظم الدروس الإدارية في قصة يوسف ( عليه السلام ) : هي أن الإدارة الرشيدة لا تنتظر الأزمة حتى تقع ، بل تستعد لها قبل وقوعها .؟
فـ«حفيظ» لا تعني الأمانة والنزاهة بمعناهما الضيق فحسب وإن كانا أساساً لا غنى عنه ، وإنما تتسع لتشمل حفظ الموارد من الهدر ، وحسن إدارتها ، وترشيد الإنفاق ، ومنع التبذير ، وضمان وصول المال والثروة إلى غاياتها الصحيحة .
أما «عليم» فتشير إلى العلم والخبرة والبصيرة في إدارة ما يتولاه الإنسان ، وإلى القُدرة على قراءة المُؤشرات وأستشراف المُستقبل وأتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب .

يوسف (عليه السلام ) لم يأتِ لمصر بموارد جديدة ، ولم يخلق ثروة من العدم ، وإنما تعامل مع الموارد المُتاحة بعقلية مُختلفة ، أدخر في سنوات الوفرة ، ونظم الاستهلاك ، وحصّن البلاد للسنوات العجاف ، وبذلك تحولت الأزمة من كارثة مُحتملة إلى أزمة يُمكن إدارتها والسيطرة على آثارها .
وهذا الدرس بالغ الأهمية للدول الريعية ، ومنها العراق ، فالمُشكلة ليست دائماً في حجم الموارد ، وإنما في كيفية إدارتها .؟
عندما ترتفع الإيرادات النفطية ، ويتسع الإنفاق ، وتزداد الالتزامات ، وتتراجع دوافع الإصلاح الحقيقي ، وكأن الوفرة ستستمر إلى الأبد .
وعندما تنخفض الأسعار أو تتراجع الإيرادات ، تبدأ الحكومة بالبحث عن حلول سريعة : الاقتراض ، تقليص الإنفاق ، فرض الرسوم والضرائب والغرامات ، وتأجيل المشاريع ، وكأن الأزمة ظهرت فُجأة ، مع أنها كانت مُتوقعة الحدوث منذ البداية .
الفرق بين الإدارة الناجحة والإدارة المُرتجلة :
هو أن الأولى تفكر في سنوات الرخاء بعقل سنوات الشدة .؟
بينما تتصرف الثانية في سنوات الرخاء وكأن سنوات الشدة لن تأتي .؟
والأهم من ذلك أن قصة يوسف (عليه السلام) تكشف أن الإصلاح يحتاج إلى إرادة سياسية تُؤمن بالكفاءة وتضع الاختصاص في مكانه الصحيح ، فالملك لم يختر يوسف لأنه صاحب نفوذ أو محاصصة أو ولاء سياسي أو أسمه ونسبه ، وإنما لأنه أمتلك العلم والبصيرة والقُدرة على إدارة الخزائن في ظرف أستثنائي ، وبإدارة مُميزة ، وهنا تبدأ مُشكلة الدول حين يصبح معيار الوصول إلى المسؤولية هو الانتماء السياسي أو الشخصي بدلاً من الكفاءة والنزاهة والإنجاز .
إن الفساد ليس دائماً نتيجة نقص الموارد ، بل قد يكون نتيجة سوء إدارتها ، وقد تمتلك الدولة المال والخبرات والطاقات ، لكنها تخسر كُل ذلك بسبب الهدر ، وضُعف التخطيط ، وتضخم الجهاز الإداري ، والمشاريع غير المُنتجة ، وأستشراء الفساد ، والقرارات التي لا تستند إلى دراسة أو بيانات .

العراق اليوم لا يحتاج إلى مُعجزة ، ولا إلى مورد جديد بقدر حاجته إلى عقلية جديدة في إدارة نفس الموارد ، عليه المطلوب بناء مُوازنة واقعية تتحوط لتقلبات النفط ، وإنشاء صندوق سيادي حقيقي للأجيال ، وربط الإنفاق العام بالإنتاج والنتائج ، وحماية المال العام ، وإخضاع المشاريع للتقييم ، وأختيار المسؤول على أساس الاختصاص والكفاءة لا المحاصصة والمجاملة .؟
كما أن مُكافحة الفساد لا ينبغي أن تكون حملة موسمية ، بل سياسة دولة تبدأ من إصلاح الإدارة نفسها ، وإغلاق منافذ الهدر ، وتعزيز الرقابة ، وأستقلال المُؤسسات الرقابية والقضائية ، ومُحاسبة من يثبت تورطه وفق القانون .

أخيراً وليس آخراً … لقد علّمتنا قصة يوسف ( عليه السلام ) أن الثروة وحدها لا تنقذ الدول ، الذي ينقذها هو حُسن التفكير والتدبير والإدارة الحكيمة ، وما يحتاجه العراق اليوم هو الى مسؤول يرى ما وراء أرقام الموازنة ، وحكومة تُخطط لما بعد أرتفاع أسعار النفط ، وطبقة سياسية تدرك أن الوفرة ليست مُبرراً للإسراف ، وأن المال العام ليس غنيمةً للحاضر ، بل أمانةٌ في أعناق الحاضر من أجل مستقبل الأجيال .
فإذا كانت سنوات الرخاء فُرصة ، فإن سنوات الشدة أختبار ، والنجاح الحقيقي ليس في أن نعبر الأزمة بعد وقوعها ، بل في أن نمنعها من التحول إلى كارثة قبل أن تبدأ …!