المعادلات اليمنية تُضيّق الخناق على السعودية..!
✍️ د. عبد الله علي هاشم الذارحي ||

ارحي
لم تعد المعركة بين اليمن والسعودية تُقاس بما تمتلكه كل دولة من إمكانات عسكرية واقتصادية،لكن بما تستطيع كل واحدة منهما فرضه على أرض الواقع.
والبيان الصادر عن القوات المسلحة اليمنية اليوم، 19 أغسطس، يقدم صورة واضحة عن انتقال صنعاء من مرحلة مواجهة العدوان إلى مرحلة فرض المعادلات وفرض قواعد جديدة للاشتباك.
فالقوات المسلحة اليمنية أعلنت بوضوح أنها تمكنت من تثبيت ثلاث معادلات رئيسية هي:
المعادلة الأولى: الحصار بالحصار
هذه المعادلة تبدو الأكثر تأثيرًا على الجانب السعودي؛ فبعد إعلان قرار حظر الملاحة البحرية على السعودية في 20 يوليو، تقول القوات المسلحة اليمنية إنها تمكنت حتى 19 أغسطس من استهداف ثماني سفن نفطية سعودية، خمس منها في البحر الأحمر وثلاث في خليج عدن والبحر العربي.
ولم يتوقف الأمر عند الاستهداف، إنما تم
منع 48 سفينة نفطية سعودية من العبور وإجبارها على العودة؛ منها 34 سفينة في البحر العربي والمحيط الهندي و14 سفينة في البحر الأحمر.
وهنا تتضح دلالة عبارة «الحصار بالحصار»؛ فاليمن الذي عانى سنوات طويلة من الحصار وإغلاق المنافذ، يحاول اليوم تحويل موقعه الجغرافي إلى ورقة ضغط استراتيجية، واضعًا حركة الإمدادات النفطية السعودية أمام معادلة جديدة: إذا مُنع اليمن من حقوقه، فلن تكون المصالح السعودية بعيدة عن دائرة التأثير.
المعادلة الثانية: التحشيدات السعودية تحت النار أينما كانت
هذه المعادلةتعني أن الجغرافيا لم تعد توفر حماية للتحشيدات السعودية.
فبحسب البيان، نفذت القوات المسلحة اليمنية 14 عملية عسكرية استهدفت تحشيدات تابعة للسعودية في الرويك والعبر والوديعة ومأرب والمخا، إضافة إلى سفن وزوارق تنقل معدات وتحشيدات سعودية.
ووفقًا للبيان فإن نتائج هذه العمليات شملت مقتل وإصابة المئات من التحشيدات، بينهم قادة وضباط سعوديون، إلى جانب إحراق وتدمير عدد كبير من المخازن والمعدات، فضلًا عن إغراق وإحراق سفينتي إنزال عسكريتين في المخا، وإحراق وإغراق أكثر من عشرة زوارق حربية.
وبصرف النظر عن تفاصيل الميدان التي تحتاج كل واحدة منها إلى توثيق مستقل، فإن الرسالة السياسية والعسكرية التي يحملها البيان واضحة: صنعاء تريد أن تجعل أي تحشيد سعودي هدفًا محتملًا، سواء كان على البر أو في البحر.
المعادلة الثالثة: السيادة اليمنية.. معادلة لا تقبل الاختراق
فالبيان يربط العمليات التي استهدفت ينبع ونجران وجيزان وأبها وإمدادات النفط في المنطقة الشرقية بالرد على العدوان السعودي على مطار صنعاء وميناء الحديدة، وبـ«حماية السيادة اليمنية» من الاختراقات، خصوصًا في محافظتي صعدة وحجة.
وبذلك تقول صنعاء إن المعادلة لم تعد تقوم على انتظار الضربة ثم الرد عليها فقط، وإنما على اعتبار أي اختراق للسيادة اليمنية سببًا لتوسيع دائرة الرد.
وهذه نقطة بالغة الأهمية؛ لأن استمرار مثل هذه المعادلة يعني أن الحدود الجغرافية التقليدية للصراع لم تعد كافية لفهم مساره، وأن البحر والجو والحدود والمواقع الحيوية كلها أصبحت مرتبطة ببعضها ضمن معادلة واحدة.
رسائل البيان
أبرز ما في البيان ليس فقط أعداد السفن والعمليات، وإنما الرسائل التي وجهتها القوات المسلحة اليمنية لكل من:
•النظام السعودي:«أي تصعيد شامل سيواجه بتصعيد شامل».
إنها رسالة ردع أكثر منها رسالة تهديد؛ ومضمونها أن صنعاء لا تريد حربًا مفتوحة لذاتها، لكنها في الوقت نفسه تقول إنها لن تقبل العودة إلى مرحلة يكون فيها التصعيد السعودي بلا كلفة.
ولهذا جاء الشرط الذي حدده البيان واضحًا: رفع الحصار، وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، وإنهاء العدوان، ودفع المرتبات، ورحيل المحتلين، وترك ثروات الشعب اليمني للشعب كله.
أي أن الباب، ليس مغلقًا أمام الحل، لكن مفتاحه هو رفع الحصار وتنفيذ مطالب الشعب اليمني الصامد.
•المغرر بهم من أبناء اليمن، داعية إياهم إلى العودة ومغادرة معسكرات السعودية، ومؤكدة أنها لا تريد استهداف اليمنيين وأن يكونوا ضحايا.
وهذه الرسالة تحمل بُعدًا آخر في المعركة؛ فصنعاء تحاول التفريق بين الخصم الخارجي وبين اليمنيين الذين زُجّ بهم في المواجهة، وتقدم لهم فرصة للعودة قبل اتساع نطاق المواجهة.
بالتالي فإن ما أعلنه البيان اليوم يمكن اختصاره في معادلة واحدة:
اليمن لم يعد يكتفي بامتصاص الضربات،
إنما يسعى إلى جعل استمرار العدوان مكلفًا، وتحويل الجغرافيا اليمنية وموقعها البحري وقدراتها العسكرية إلى أوراق ضغط مقابلة.
فـالحصار بالحصار، والتحشيد بالاستهداف، واختراق السيادة بالرد؛ هي ثلاث معادلات تريد صنعاء تثبيتها في مواجهة السعودية.
مما سبق اقول: الكُرة الآن في ملعب الرياض: إما ان تتوجه نحو تنفيذ ما تم الاتفاق عليه ورفع الحصار، أو الدخول في مسار تصعيد حينها ستواجهه صنعاء بالثقة بالله والتوكل عليه بتصعيد شامل.




