قطع ارزاق الناس.. عصا دول الخليج لتصفية حساباتها السياسية..!
عباس سرحان ||

لم تكن أزمة العمال المصريين القائمة في الإمارات ناجمة عن خلاف إداري حول الإقامات، بل هي ورقة ضغط سياسي. فمنذ مطلع أغسطس/آب 2026، تتزايد شهادات مصريين مقيمين في الإمارات بشأن إلغاء إقاماتهم بصورة مفاجئة أثناء وجودهم في مصر لقضاء إجازاتهم السنوية.
وقد قدّر أحد المستثمرين المصريين عدد المتضررين بما لا يقل عن 3 آلاف شخص خلال أسابيع قليلة، فيما تحرّك البرلمان المصري مطالبًا بتوضيح رسمي، دون أن تصدر السلطات الإماراتية حصيلة شاملة للحالات أو أسبابها حتى الآن.
ويبدو ان الإجراء يرتبط بتوتر سياسي أعمق، إذ ترى الإمارات، الغاضبة من مواقف القاهرة غير المتناسقة مع توجهاتها في مواجهة إيران، في ملف العمالة وسيلة لإرسال رسالة مزدوجة إلى الحكومة المصرية وإلى الإعلاميين والناشطين المصريين الذين أبدوا تعاطفًا مع طهران أو هاجموا مواقف الخليج.
لكن هذه الرسائل السياسية، كما هو الحال دائمًا، لا تصل إلى قصور الحكم، بل إلى بيوت البسطاء الذين تركوا أوطانهم طلبًا للرزق. فمن بين المتضررين مدرّس يعمل منذ أكثر من عشر سنوات في مدرسة خاصة، فوجئ بإلغاء إقامته فور مغادرته البلاد في إجازته الصيفية رغم أن أوراقه سليمة، ومهندس يعمل منذ 17 عامًا في إحدى كبرى شركات البترول الإماراتية، اضطر للتراجع عن السفر لرؤية أهله خشية ألا يستطيع العودة.
هؤلاء ليسوا طرفًا في أي صراع إقليمي، ولا ناشطين سياسيين، لكنهم يجدون أنفسهم فجأة في قلب أزمة لا علاقة لها بمواقفهم أو خياراتهم.
وليست هذه سابقة معزولة في التعامل الخليجي مع ملفات الجنسية والإقامة كأدوات سياسية. ففي البحرين، أعلنت وزارة الداخلية في أبريل/نيسان 2026 إسقاط الجنسية عن 69 شخصًا، بينهم 33 طفلًا عمر أصغرهم 19 يومًا فقط، بتهمة “التعاطف والتمجيد” للهجمات الإيرانية على المملكة، استنادًا إلى مادة قانونية فضفاضة تسمح بإسقاط الجنسية عن كل من “يضر بمصالح المملكة” أو “يخل بواجب الولاء”.
ووثّقت منظمة “مواطن” الحقوقية شهادات لبعض المشمولين بالقرار يؤكدون أنهم لم يمارسوا أي نشاط سياسي، ولم يُبلَّغوا بأي سبب محدد لإسقاط جنسيتهم، بينما وصفت منظمة العفو الدولية الإجراء بأنه انتهاك صريح للقانون الدولي الذي يحظر تجريد الأفراد من جنسيتهم عقابًا لهم على التعبير السلمي عن آرائهم أو حتى “تعاطفهم المتصوَّر”. بل إن ثلاثة نواب بحرينيين اعترضوا على القرار، فكان مصيرهم إسقاط عضويتهم من البرلمان بالإجماع.
أما الكويت، فقد شهدت منذ عام 2025 حملة واسعة لمراجعة ملفات الجنسية، أعلن خلالها وزير الداخلية أن عدد من سُحبت جنسياتهم في ثمانية أشهر فقط من تلك السنة قارب نحو 50 ألف شخص، بينهم عشرات الآلاف ممن حصلن على الجنسية عبر الزواج، إضافة إلى حالات فردية طالت شخصيات إعلامية وناشطين معروفين بانتقادهم للحكومة أو السخرية من قياداتها على وسائل التواصل الاجتماعي،. صحيح أن الحكومة الكويتية تبرر معظم هذه القرارات بمكافحة “التزوير” و”الازدواجية”، لكن حزمة الحالات التي طالت أصحاب الرأي والنشطاء تكشف أن هذه المراجعة القانونية تحمل، في جزء منها على الأقل، بعدًا سياسيًا وطائفياً واضحًا.
هذه السياسات، من الرياض إلى المنامة إلى الكويت وأبوظبي، تكشف أن الجنسية والإقامة لم تعودا مجرد أوراق قانونية، بل تحوّلتا إلى أدوات سياسية تُستخدم لإعادة تعريف الولاء والانتماء.
من يختلف مع الموقف الرسمي يُجرَّد من حقه في البقاء، ومن يتعاطف – أو حتى يُشتبه في تعاطفه – مع خصم إقليمي، يُعاقَب بحرمانه من جنسية أو إقامة بناها على مدى سنوات أو عقود من عمره.
إن أزمة العمال المصريين في الإمارات ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من استخدام الجنسية والإقامة كسلاح سياسي في المنطقة. وهي تذكير بأن الخلافات الإقليمية لا تُترجم فقط في بيانات رسمية أو مواقف دبلوماسية، بل تُترجم على أجساد البسطاء الذين يجدون أنفسهم فجأة وقودًا لصراعات لا يد لهم فيها ولا رأي.
وأبعد من الجانب الإجرائي أو القانوني لهذه القرارات، فإن معاقبة الأبرياء – أطفالاً كانوا أم عمالاً أم مدرّسين – على خلفية مواقف سياسية لا صلة لهم بها، يتنافى مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان التي تكفل لكل فرد الحق في جنسيته وإقامته وعدم تحميله وزر خلافات لم يشارك فيها، كما أنه يسيء بعمق إلى العلاقات الثنائية بين الدول، ويحوّل ملفات إنسانية بحتة إلى رهائن في صراعات سياسية عابرة، بدل أن تبقى العلاقات بين الشعوب بمنأى عن تقلبات المواقف الرسمية.
وهو، فوق ذلك كله، أسلوب مشحون بالغل والكراهية، تتنزّه عنه الدول الحكيمة وتترفع عنه العقول الرشيدة، فالسياسات التي تُبنى على الانتقام والعقاب الجماعي لا تصنع استقرارًا ولا تكسب احترامًا، بل تزرع أحقادًا تتوارثها الأجيال.
وهو أيضًا أسلوب يتناقض تمامًا مع أبسط القواعد الإسلامية التي حرّمت أن تزر وازرة وزر أخرى، وحضّت على العدل حتى مع المخالف، وجعلت من الوفاء بالعهد وصون كرامة الإنسان – أي إنسان – ركنًا لا يجوز التهاون فيه، فكيف إذا كان المعاقَب طفلًا رضيعًا لم يتجاوز عمره تسعة عشر يومًا؟
المطلوب بناء ضمانات قانونية حقيقية – محلية ودولية – تحمي العمال والمواطنين من أن يكونوا رهائن لسياسات لا تخصهم ولا يُستشارون فيها.




