تسليم السلاح إلى إيران، واحصروا الباقي بيد الدولة.. بوصلة المواقف..!
جليل هاشم البكاء ||

في الجدل الدائر حول نزع سلاح فصائل المقاومة، تبدو مفارقة تستحق التوقف عندها: أنصار المقاومة وخصومها، من يمدحونها ومن يشيطنونها، من يتفاخرون بقدراتها ومن يتهمونها بأنها مجرد أداة إيرانية، يلتقون جميعا، ولو من مواقع متناقضة، عند حقيقة واحدة: أن إيران كانت وما زالت تُقدَّم بوصفها المصدر الأساسي لجزء كبير من السلاح الذي يُراد اليوم سحبه من هذه الفصائل.
وهنا يبرز سؤال منطقي: إذا كان السلاح إيرانيا في الأصل، وإذا كانت إيران هي الجهة التي يُقال إنها زودت هذه الأطراف به، فلماذا لا يكون تسليم هذا السلاح إليها جزءا من الحل؟
هذا السؤال ليس افتراضا بلا أساس؛ فالتقارير والدراسات التي تتناول ترسانة محور المقاومة المقدسة الحليفة لإيران تشير بالفعل إلى حصولها على صواريخ ومسيّرات وأنظمة تسليح إيرانية، وإيران ومن معها يتفاخرون، واعداءهم يتهمون فيؤكدون.
وإذا كان المطلوب هو إنهاء وجود هذا السلاح خارج إطار الدولة، فإن المنطق يقول إن هناك أكثر من طريقة لتحقيق ذلك، وليس بالضرورة أن تكون الطريقة الوحيدة هي المصادرة أو الإتلاف أو تحويل عملية نزع السلاح إلى مناسبة لإذلال طرف سياسي أو اجتماعي بعينه.
أما القول إن تسليم السلاح إلى إيران قد يعني أنها ستعيده إلى حلفائها، فهذا احتمال يمكن مناقشته بجدية. لكن إذا كانت هذه هي الخشية الحقيقية، فالحل المنطقي هو وضع آلية تضمن ألا يعود السلاح إلى الميدان، لا تحويل عملية نزع السلاح إلى عقوبة جماعية أو فرصة للتنكيل.
بمعنى آخر: إذا كنتم تريدون ألا تعود الأسلحة إلى الساحة، فليكن الاتفاق على ألا تعود، وليكن التحقق والضمان جزءا من التسوية. أما أن يقال إن السلاح يجب أن يُسلَّم، ثم يُرفض تسليمه إلى الجهة التي يُقال أصلا إنها مصدره بحجة احتمال عودته، فإن ذلك يفتح سؤالا أكبر حول الهدف الحقيقي من العملية.
وهنا تحديدا ينبغي التمييز بين نزع السلاح وبين استثمار نزع السلاح في مشروع سياسي آخر.
فإذا كانت الغاية هي حصر السلاح بيد الدولة، فهذه قضية يمكن بحثها ضمن ترتيبات قانونية وسيادية واضحة. وهذا هو جوهر النقاش الجاري في العراق ولبنان حاليا، حيث ارتبطت بعض المبادرات بتسليم أسلحة الفصائل إلى الدولة، بينما بقيت مسألة السلاح الإيراني ومصادره جزءا من الجدل الأوسع.
أما إذا كان الهدف الحقيقي هو التنكيل، أو كسر طرف سياسي، أو إهانة بيئة اجتماعية، أو استثمار لحظة الضعف لفرض شروط تتجاوز موضوع السلاح نفسه، فإن رفض أي تسوية منطقية يصبح دليلا مهما على النية.
فالاختبار الحقيقي ليس في المطالبة بنزع السلاح، وإنما في كيفية التعامل مع السلاح بعد نزعه.
إذا كان السلاح خطرا لأنه موجود خارج إطار الدولة، فإن تسليمه إلى مصدره المفترض مع ضمانات تمنع إعادة توزيعه يمكن أن يكون أحد الخيارات التي تستحق البحث. أما إذا كان وجود السلاح في حد ذاته هو المشكلة، بصرف النظر عن مكانه ومصيره، فهنا يصبح السؤال: هل المشكلة في السلاح، أم في الجهة التي تحمله؟
وهناك نقطة أخرى لا ينبغي إغفالها.
إذا كانت إيران، بحسب خطاب خصومها أنفسهم، هي الطرف الذي يقف خلف هذا السلاح، فمن المنطقي أن تكون لها مصلحة وحق في معرفة مصيره، وأن تكون جزءا من أي ترتيبات تتعلق به. لا يعني ذلك منحها حق الوصاية على دول أخرى، ولا يعني تبرير بقاء السلاح خارج مؤسسات الدولة، وإنما يعني التعامل مع الوقائع كما هي، لا كما يراد لها أن تكون.
أما الحكومات المحلية والدول الدولية التي تنشغل بالسلاح المنسوب إلى إيران، فعليها في المقابل أن تنشغل أيضا بالسلاح الذي لا علاقة لإيران به.
فالسؤال لا ينبغي أن يكون: أين سلاح الفصائل فقط؟
بل: أين السلاح الآخر؟ ومن يملكه؟ ومن يموله؟ ومن يصنعه؟ ومن يقرر استخدامه؟ ومن يضمن ألا يتحول نزع سلاح طرف إلى إعادة توزيع للقوة المسلحة لصالح طرف آخر؟
فالسيادة لا تتجزأ، والأمن لا يكون انتقائيا، وحصر السلاح بيد الدولة لا يصح أن يتحول إلى شعار يُطبق على خصم ويُستثنى منه صديق.
وفي النهاية، إذا كان الجميع بحسن او سوء نية متفقين على رواية واحدة تقول إن إيران هي مصدر السلاح الذي يُراد نزعه، فإن المنطق يفرض أن تكون إيران جزءا من معادلة مصير هذا السلاح، لا مجرد طرف يُتهم بالمصدر ثم يُستبعد عندما يحين وقت تحديد المصير.
وإذا كانت الخشية من أن تعيد إيران السلاح إلى حلفائها، فليكن الجواب: لا تعودوا لكي لا تعود.
أما إذا كان المطلوب رفض تسليم السلاح إلى إيران حتى مع وجود ضمانات، وتحويل القضية إلى إذلال أو عقوبة أو انتقام، فهنا لا يعود السؤال عن السلاح وحده، بل عن النية التي تقف خلف نزع السلاح.
وهذا هو الفارق بين عملية هدفها إنهاء مشكلة السلاح، وعملية تستخدم السلاح ذريعة لإعادة رسم موازين القوة.
لذلك، فإن أكثر الأسئلة وضوحا اليوم ليس من يملك السلاح فقط، وإنما من يريد معرفة مصيره، ولماذا، وإلى أين سيذهب بعد نزعه، ومن سيضمن ألا يظهر سلاح آخر مكانه.
فإذا كانت إيران هي المصدر كما يقول خصومها، فلتكن جزءا من الحل.
وإذا كان السلاح ليس إيرانيا، فليبحثوا عن مصدره.
وإذا كانت الغاية هي الدولة، فلتكن الدولة فوق الجميع.
أما إذا كانت النية هي التنكيل، فإن مشكلة السلاح لن تكون سوى عنوان، بينما تكون القضية الحقيقية شيئا آخر تماما.




