الدولة التي لا تعمل… لماذا لم ينهَر لبنان؟!
أمين السكافي ||

هناك سؤال لبناني لا يُطرح بما يكفي: كيف بقي لبنان قائماً، بينما تعطلت الدولة مرات كثيرة؟
منذ الحرب الأهلية، عاش اللبنانيون انهيار مؤسسات، وحروباً واحتلالات واغتيالات، وفراغات رئاسية وحكومات تصريف أعمال، وانهياراً مصرفياً ونقدياً، وانفجار مرفأ بيروت، ثم أزمات أمنية واجتماعية متلاحقة. ومع ذلك لم يتوقف البلد تماماً. بقيت المدارس تفتح أبوابها، والمستشفيات تعمل، والمتاجر تبيع، والجامعات تدرّس، والمطاعم تستقبل زبائنها، والمغتربون يرسلون المال، والناس يجدون ألف طريقة لتدبير يومهم التالي.
فإذا كانت الدولة لا تعمل كما ينبغي، فمن كان يدير لبنان؟
السؤال ليس ترفاً فكرياً. لأنه ربما يكشف سرّاً من أسرار التجربة اللبنانية: لبنان لم ينجُ لأن الدولة كانت قوية، بل ربما لأن المجتمع تعلّم أن يعيش عندما تضعف الدولة.
وهنا تبدأ الحكاية.
الدولة التي سبقت الدولة
في لبنان، لم تكن الدولة الحديثة هي الإطار الوحيد الذي نظّم حياة الناس. قبلها كانت العائلة والطائفة والقرية والمدينة وشبكات التجارة والاغتراب. ثم جاءت الدولة، لكنها لم تستطع إلغاء هذه البنى، بل دخلت معها في شراكة ومنافسة.
ومنذ الاستقلال، قام النظام السياسي على تسوية طائفية كرّست تقاسم السلطة بين الجماعات. وبعد الحرب الأهلية جاء اتفاق الطائف ليعيد توزيع الصلاحيات، لكنه لم يحوّل لبنان إلى دولة حديثة مكتملة المؤسسات. ويشير تشخيص صندوق النقد إلى أن النظام السياسي اللبناني نفسه يقوم على ترتيبات تقاسم السلطة الطائفية التي تشكلت تاريخياً حول الميثاق الوطني ثم أعيد توازنها في الطائف.
وهكذا نشأت مفارقة لبنانية شديدة الخصوصية:
الدولة موجودة، لكنها ليست دائماً المصدر الوحيد للسلطة.
فالطائفة قد تؤمّن ما تعجز عنه الوزارة، والحزب قد يملأ فراغاً تركته الدولة، والجمعية قد تقدم خدمة لا تصل إليها الإدارة، والبلدية قد تحاول حل مشكلة لا تستطيع الحكومة المركزية حلها.
وفي لحظات الانهيار، لا يختفي المجتمع؛ بل يستبدل الدولة بشبكة من البدائل.
حين أصبح المواطن دولة صغيرة
ربما كان اللبناني، من أكثر شعوب المنطقة، مضطراً إلى تطوير ما يمكن تسميته «اقتصاد النجاة».
حين انقطعت الكهرباء، ظهرت المولدات الخاصة.
حين ضعفت الدولة، ازدهرت الخدمات الخاصة.
حين انهارت الليرة، أعيد تسعير الاقتصاد بالدولار.
حين تراجعت المصارف، أصبح المال النقدي والتحويلات الخارجية شرياناً أساسياً.
وحين ضعفت القدرة الشرائية، اتسعت شبكة العائلة والاغتراب والمساعدات.
لقد تحوّل اللبناني تدريجياً من مواطن ينتظر الدولة إلى مواطن يبحث عن بديل عنها.
وهذا يفسر جزئياً كيف استطاع المجتمع الصمود أمام انهيار مالي وصفه البنك الدولي بأنه من أشد الانكماشات الاقتصادية في العالم، مع ظهور تعافٍ هش في 2025 مدفوعاً جزئياً بالسياحة وبعض الاستقرار الاقتصادي.
لكن هذا النجاح في البقاء يحمل في داخله خطراً كبيراً.
لأن المجتمع الذي يتعلم طويلاً أن يعيش بلا دولة قد يصل في النهاية إلى الاقتناع بأن الدولة ليست ضرورية أصلاً.
وهنا يصبح الخلل أكثر عمقاً من مجرد فساد أو سوء إدارة.
ماذا فعلت العائلة؟
العائلة اللبنانية ليست مجرد مؤسسة اجتماعية؛ إنها في أحيان كثيرة شبكة أمان اقتصادية.
تدفع عن طالب الجامعة، تساعد في الزواج، تؤمّن السكن، تستقبل العاطل عن العمل، تساعد المريض، وتتحمل نتائج الهجرة والانهيار.
لكنها في المقابل تجعل المواطن أقل اعتماداً على المؤسسات العامة.
وهذا أحد أسباب قدرة المجتمع على امتصاص الصدمات، لكنه أيضاً أحد أسباب ضعف الضغط باتجاه بناء دولة قوية.
فحين تستطيع العائلة حل مشكلة المستشفى أو المدرسة أو السكن، يصبح السؤال أقل إلحاحاً: أين الدولة؟
وماذا فعل المغترب؟
إذا كانت الدولة اللبنانية قد قصّرت في حماية اقتصادها، فإن الاغتراب اللبناني لعب دوراً أشبه بصندوق إنقاذ غير معلن.
أموال اللبنانيين في الخارج لم تكن مجرد تحويلات؛ كانت في كثير من الأحيان بديلاً عن شبكة الضمان الاجتماعي الغائبة.
لكن هذه المعادلة بدأت تصبح أكثر هشاشة. فاللبناني الذي يعيش من تحويلات الخارج يتأثر بالأزمات التي تصيب البلدان المضيفة. وتظهر التطورات الحالية مدى ذلك: الحرب الإقليمية وتراجع النشاط الاقتصادي في الخليج أضرا بقطاعات لبنانية تعتمد على الزبائن والتمويل الخليجي، مع انخفاض كبير في مداخيل بعض العاملين اللبنانيين.
أي أن لبنان لا يزال يعيش جزئياً من اقتصاد العالم الخارجي.
والسؤال: ماذا يحدث عندما يضعف الخارج أيضاً؟
الحزب… عندما يصبح التنظيم أقوى من الإدارة
هنا ندخل إلى الجزء الأكثر حساسية.
في دولة تعاني ضعفاً مؤسسياً، لا تستطيع التنظيمات السياسية والاجتماعية أن تبقى مجرد أدوات انتخابية. بعضها يتحول إلى شبكات خدمات، ومساعدات، ومدارس، ومستشفيات، ومؤسسات اجتماعية، وأحياناً إلى منظومات أمنية وعسكرية.
وهذا ليس لبنانياً حصراً، لكنه في لبنان أخذ شكلاً بالغ الوضوح بسبب التركيبة الطائفية والحروب الطويلة.
وهنا تتولد مشكلة جوهرية:
كلما نجحت جهة غير الدولة في تقديم خدمة، تراجعت حاجة المواطن إلى الدولة. وكلما تراجعت حاجة المواطن إليها، ضعفت الدولة أكثر.
إنها دائرة مغلقة.
ولذلك فإن بناء الدولة اللبنانية لا يعني فقط إصلاح الوزارات؛ بل يعني استعادة الوظائف التي انتقلت تدريجياً إلى خارج مؤسسات الدولة.
البلدية… آخر خط دفاع
في الأزمات، تظهر قيمة البلديات أكثر مما تظهر قيمة الوزارات.
فالبلدية تعرف الشارع، والمياه، والنفايات، والأحياء، والمشاكل اليومية. لكنها تعاني في المقابل من نقص التمويل والقدرات الفنية، وهو ما وثقته خطة الاستجابة اللبنانية لعام 2026، التي أشارت إلى أن ضعف قدرة الدولة يجعل الفاعلين المحليين والهياكل المجتمعية أكثر أهمية في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
وهنا المفارقة:
كلما ضعفت الدولة المركزية، ارتفعت أهمية المستوى المحلي؛ لكن الدولة المركزية الضعيفة غالباً ما تكون عاجزة أيضاً عن تمويل البلديات.
فيصبح المجتمع المحلي مطالباً بإدارة نفسه بإمكانات محدودة.
المصرف الذي كان دولة داخل الدولة
ثم جاءت اللحظة التي انهار فيها أحد أعمدة لبنان التاريخية: النظام المصرفي.
لعقود، كان المصرف بالنسبة للبناني أكثر من مؤسسة مالية. كان مكان الادخار، والتحويل، والاستثمار، والثقة.
ثم انهارت الثقة.
ولم يكن الانهيار المالي مجرد مشكلة مصرفية؛ كان انهياراً للعقد الضمني بين المواطن والدولة والقطاع المالي.
والأخطر أن الدولة لم تكن تمتلك القدرة المؤسسية على امتصاص الصدمة. ويشير صندوق النقد إلى أن الأزمة منذ 2019، إلى جانب انفجار المرفأ وكوفيد والتطورات الأمنية، أضعفت بشدة القدرة على تقديم الخدمات العامة، بعدما فقد موظفو القطاع العام جزءاً كبيراً من قدرتهم الشرائية وغادر كثيرون مواقعهم أو توقفوا عن العمل.
ومع ذلك… استمر الناس.
لماذا؟
لأنهم ببساطة انتقلوا إلى اقتصاد آخر.
اقتصاد نقدي، دولاري، غير رسمي، قائم على العلاقات والتحويلات والعمل الحر والمبادرة الفردية.
لكن هل هذا صمود أم انهيار مؤجل؟
هنا السؤال الأخطر.
أن يبقى المجتمع واقفاً رغم ضعف الدولة يمكن أن يكون علامة قوة اجتماعية هائلة.
لكنه قد يكون أيضاً علامة مرض مزمن.
فالإنسان الذي يشتري الكهرباء من المولد، والماء بالصهريج، والتعليم من مدرسة خاصة، والاستشفاء من تأمين خاص، ويستعين بأسرته عند البطالة، ويتقاضى راتبه بالدولار، ويحصل على تحويلاته من الخارج… ماذا بقي من علاقة الدولة به؟
ضريبة؟
هوية؟
جواز سفر؟
جيش؟
قضاء؟
إذا أصبحت الخدمات الأساسية كلها خارج الدولة، تتحول الدولة تدريجياً إلى عنوان سياسي أكثر منها مؤسسة يومية.
وهذا تحديداً ما حذرت منه خطط الإصلاح الإداري اللبنانية نفسها: الإدارة العامة تعاني منذ عقود من تداخل الصلاحيات، وضعف المساءلة، والتدخل السياسي، وتدني مستوى الخدمات.
لبنان لم ينهَر… لكنه تغيّر
ربما الجواب الحقيقي عن السؤال الذي بدأنا به هو أن لبنان لم ينهَر لأنه لم يكن دولة فقط.
كان مجتمعاً، وعائلات، ومدناً، وقرى، واغتراباً، وجمعيات، ومؤسسات تعليمية، واقتصاداً خاصاً، وشبكات تضامن، وطوائف وأحزاباً، ومبادرات فردية.
هذه الشبكة حملت البلد عندما عجزت مؤسساته.
لكن لا يجوز أن نخطئ في قراءة النتيجة.
قدرة المجتمع على البقاء ليست دليلاً على نجاح الدولة.
بل ربما تكون أحياناً دليلاً على أن المجتمع اضطر إلى تعويض فشلها.
ولهذا فإن المعركة اللبنانية المقبلة لا ينبغي أن تكون فقط على من يملك السلطة، ولا على أي طائفة تربح وأي طائفة تخسر.
السؤال الأعمق هو:
هل يستطيع لبنان أن ينتقل من دولة ينجو مجتمعها رغمها، إلى دولة تساعد مجتمعها على النهوض؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي.
فلبنان لم يعد يحتاج إلى دولة ضخمة؛ يحتاج إلى دولة تعمل.
دولة كهرباؤها ليست صدقة، وقضاؤها ليس صفقة، ومصرفها ليس خزنة للسياسيين، وجيشها ليس بديلاً عن السياسة، وبلدياتها ليست متسولين على أبواب الوزارات، ومواطنها لا يحتاج إلى واسطة كي يحصل على حقه.
ربما تكون المفارقة اللبنانية الكبرى أن المجتمع أثبت خلال نصف قرن أنه يستطيع أن يعيش من دون دولة قوية.
لكن السؤال الذي لم يُجب عنه بعد هو:
كم يستطيع لبنان أن يستمر في دفع ثمن دولة لا تعمل؟
فقد لا يكون الانهيار المقبل انهيار دولة.
قد يكون شيئاً أكثر خطورة:
أن يعتاد اللبنانيون نهائياً على غيابها .



