الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

ترامب وأسلوب الكاوبوي وحلم اقليم مضيق هرمز الامريكي..!

منذ 3 ساعات
الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

الكاتب والباحث الاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

 

ترامب وأسلوب الكاوبوي: حين تلتقي الدبلوماسية بـ “الويسترن” ومضيق هرمز
يعكس السلوك السياسي لدونالد ترامب في الشرق الأوسط نمطاً يُشبه إلى حد كبير أسلوب السينما الهوليوودية الكلاسيكية (أفلام الكاوبوي)؛ حيث يتسيد المشهد منطق القوة المباشرة، والمواجهة السريعة، ورسم خطوط حمراء حادة في مناطق النفوذ والاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز.
أولاً: العقيدة السياسية.. “البطل المنفرد” وراعي البقر
تنطلق فلسفة ترامب من مبادئ تبدو مستوحاة من ثقافة “الكاوبوي” الأمريكية:
عرض القوة للردع: أسلوب يقوم على تهديد الخصوم بـ “المسدس الجاهز” لإجبارهم على التراجع دون الخوض في دبلوماسية طويلة الأمد.
إعادة تعريف قواعد اللعبة: النظر إلى الاتفاقيات الدولية (مثل الاتفاق النووي الإيراني) على أنها قيود غير ضرورية تكبل يد “البطل”، مما يبرر الانسحاب منها واستبدالها بسياسة “الضغط الأقصى”.
البراغماتية الصريحة: التعامل مع الصراعات الدولية بعقلية الصفقة والمصالح المباشرة بدلاً من النظريات الأيديولوجية المعقدة.
ثانياً: حلم مضيق هرمز.. الشريان والورقة الرابحة
يمثل مضيق هرمز النقطة المحورية في هذه المعادلة، حيث يتقاطع أسلوب “الكاوبوي” مع شريان الطاقة العالمي:
تأمين حركة الملاحة: يدرك ترامب أن السيطرة أو التأثير على حركة النفط في المضيق تمنحه نفوذاً هائلاً ليس فقط أمام إيران، بل أمام القوى العالمية المستهلكة للطاقة كالصين وإوروبا.
حصار الخصم في ملعبه: استخدام القوة البحرية والعقوبات الخانقة لمنع إيران من استخدام المضيق كأداة ابتزاز سياسي أو اقتصادي.
إعادة توزيع التكاليف: المطالبة المستمرة لحلفاء واشنطن بتحمل جزء من تكلفة حماية هذه الممرات المائية، انسجاماً مع مبدأ “أمريكا أولاً”.
خلاصة القول هنا يعتمد ترامب في تعامله مع الأزمات الدولية—ولاسيما في منطقة الخليج ومضيق هرمز—على فرضية أن الاستعراض الصارم للقوة والتطويق المباشر هما الطريق الأقصر لإخضاع الخصوم وفرض شروط التفاوض، تماماً كما تفعل شخصيات الكاوبوي في نهاية المشهد السينمائي.
يقوم تحليل المشهد السياسي والتكتيكي لسلوك ترامب تجاه الشرق الأوسط ومضيق هرمز على تفكيك أبعاد هذه السياسة ودوافعها العمومية:
1 -استراتيجية “الردع بالغموض” وحافة الهاوية
تعتمد عقيدة الكاوبوي على إبقاء الخصم في حالة ارتباك دائم، وهو ما تجسد في قرارات ترامب تجاه الملف الإيراني وممر الملاحة في الخليج:
عدم التنبؤ بالخطوة التالية: إرسال رسائل متناقضة تدمج بين التهديد الخاطف بالضربات العسكرية ودعوات الحوار المباشر دون شروط مسبقة.
سياسة المباغتة: استخدام استراتيجيات غير تقليدية وتجاوز البروتوكولات الدبلوماسية للوصول إلى حسم سريع وتكتيكي، كما حدث في عمليات التصفية النوعية والتصعيد الفجائي.
2 – مضيق هرمز: من جيوسياسية النفط إلى “عنق الزجاجة” الأمني
لا ينظر ترامب إلى مضيق هرمز كمجرد ممر مائي لنقل الطاقة، بل كمساحة لعرض النفوذ والهيمنة الرقمية والعسكرية:
السيطرة على الشرايين المائية: تحويل حماية الملاحة الدولية إلى أداة ضغط اقتصادية وسيتاسية تُستخدم لإعادة ترسيم نفوذ القوى الإقليمية.
التحالفات المشروطة: تقديم الحماية والأمن للممر وفق صيغة تشاركية، تُحمل الأطراف المستفيدة تكاليف الأمن والتواجد العسكري الأمريكي.
3 – الصراع بين المؤسساتية الأمريكية والفردانية
تُمثل هذه الظاهرة صداماً مستمراً بين الهياكل التقليدية للسياسة الخارجية الأمريكية والتوجهات الشخصية للرئيس:
تخطي أجهزة الدولة (Deep State): الاعتماد على دائرة ضيقة من المستشارين والقرارات الفردية بدلاً من تقارير ومصادر الاستخبارات الدبلوماسية التقليدية.
خطاب الإشهار والإعلام: استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كمنصة لإدارات الأزمات الدولية والتهديد المباشر، متجاوزاً أروقة الأمم المتحدة والمحافل الدولية.
النتيجة الاستراتيجية:
أدى تحويل سياسة الشرق الأوسط إلى مسرح لمواجهات سريعة ومحسوبة إلى كسر قواعد الاشتباك القديمة، لكنه في الوقت ذاته رفع من نسبة المخاطر غير المحسوبة في الشرايين المائية الحيوية مثل مضيق هرمز.
وهنا يتجلى الصدام الاستراتيجي بين واشنطن وطهران كصراع عميق بين رغبة الهيمنة المطلقة وأدوات الردع غير المتماثلة، حيث يتحول مضيق هرمز إلى الساحة المحورية لحسم هذه المعادلة.
يقوم هذا المقال على تحليل أبعاد تصاعد النزاع، وكيف يمكن لعقيدة “الحصار والسيطرة” التي يتبناها ترامب أن تصطدم باستراتيجية “الإنهاك والاستنزاف” التي تديرها طهران.
أولاً: أوهام “الحصار الفولاذي” وإغواء السيطرة
يسعى ترامب إلى فرض واقع جديد في الخليج عبر معادلة تقوم على التطويق المباشر والاستعراض العسكري المكثف:
منطق “الفرض القسري”: الاعتماد على القوة البحرية والدبلوماسية الخشنة لتأمين حركة النفط وفرض رسوم أو وصاية أمنية، بما يضمن استقرار أسواق الطاقة الأمريكية بأسلوب الصفقة المباشرة.
اختزال المعقد بالمُبسط: النظر إلى الجغرافيا المعقدة لمضيق هرمز برؤية تكتيكية تعتمد القوة الغاشمة، مع إغفال طبيعة الشواطئ والممرات الضيقة التي تعطي أفضلية أمنية وثيقة للدولة المطلة عليه.
ثانياً: استراتيجية طهران.. “الكابوس غير المتماثل”
في المقابل، تمتاك طهران منظومة ردع مصممة خصيصاً لإفشال فرضيات الحصار السريع وتكبيد الخصوم كلفة لا يمكن تحملها:
الحرب اللا متماثلة (Asymmetric Warfare): استخدام الزوارق السريعة، الصواريخ الساحلية، والمسيرات منخفضة التكلفة لتحديد حركة السفن التجارية، مما يحول الممر المائي إلى منطقة عالية المخاطر للتأمين الشحني والتجاري.
استراتيجية “الإنهاك الاقتصادي”: لا تحتاج إيران إلى إغلاق المضيق بالكامل لفرض كابوسها؛ بل يكفي خفض حركة الملاحة بنسبة معينة لرفع أسعار النفط عالمياً، وهو ما يضرب نقطة ضعف واشنطن المتمثلة في التضخم وأسعار المحروقات.
السيادة الجغرافية والتفوق الميداني: الاستفادة من الامتداد الساحلي والطبيعة الجغرافية الوعرة لإدارة أزمة طويلة الأجل، تُحيّد التفوق التقني للأسطول البحري الأمريكي.
ثالثاً: مأزق “حافة الهاوية” والرهانات المفتوحة
تصل المواجهة بين الطرفين إلى نقطة حرجة تتداخل فيها الحسابات التكتيكية بالتعقيدات الجيوسياسية:
معادلة الردع المتبادل: بينما يراهن ترامب على فرض الانهيار الاقتصادي، تراهن طهران على الصمود الاستنزافي وإجبار واشنطن على دفع تكاليف الحماية البحرية منفردة.
غياب قواعد الاشتباك: تزيد تصريحات التصعيد والسيطرة الإقليمية من احتمالات وقوع أخطاء تكتيكية على الأرض تؤدي إلى انزلاق الطرفين لمواجهة أوسع غير محسوبة النتائج.
إن محاولة تحويل مضيق هرمز إلى مساحة لنفوذ مطلق من جانب واحد تصطدم بالواقع الجيوسياسي للمنطقة. وطالما ظلت واشنطن تتعامل مع الممر المائي بعقلية القوة المباشرة دون إيجاد قواعد اشتباك دائمة، فإن طهران ستستمر في امتلاك الأدوات الكفيلة بتحويل هذا “الحلم” إلى أزمة استنزاف طويلة ومكلفة.
تستند استراتيجية تحويل “حلم السيطرة الأمريكية” في مضيق هرمز إلى كابوس استنزافي على آليات عملية وتكتيكية تفكك معادلة القوة التقليدية:
1 – “فخ الشاطئ الوعر” وتنسيق “المساحة العمياء”
تعتمد الجغرافيا البحرية لمضيق هرمز على ممرات ضيقة تجعل القواعد البحرية التقليدية ذات مرونة محدودة أمام الهجمات السريعة:
الألغام الذكية والموحدة: نشر شبكات ألغام بحرية قاعية يتم التحكم بها عن بُعد، تعطل حركة ناقلات النفط الضخمة دون الحاجة لمواجهة مباشرة مع القطع الحربية.
الزوارق السريعة المسيرة (USVs): استخدام أسراب زوارق موجهة ذات مقطع راداري منخفض لتشتيت أنظمة الدفاع الجوي والاستشعار التابعة للأسطول الخامس الأمريكي.
2 – سلاح الاقتصاد المزدوج: التأمين و”الصدمة النفطية”
لا تتطلب إدارة الأزمة إغلاق المضيق بشكل كامل، بل فرض حالة من عدم اليقين الملاحي:
مخاطر التأمين البحري (War Risk Premiums): رفع تكاليف التأمين على السفن التجارية إلى أرقام خيالية، مما يحيد الأسطول التجاري عالمياً ويفرض إغلاقاً واقعياً دون الحاجة لإطلاق نار مستمر.
إرباك الأسواق العالمية: استهداف الانتقائية للشحنات المارة يرفع أسعار الخام عالمياً، مما يضغط بشكل مباشر على الاقتصاد الأمريكي والأسواق الغربية التي يعتمد استقرارها على انتظام سلاسل الإمداد.
3 – نقل المعركة إلى الشواطئ والمحاور الخافية
تحويل المضيق من ساحة تكتيكية إلى مركز مواجهة ممتد عبر نقاط استراتيجية متعددة:
استراتيجية الصواريخ الساحلية (A2/AD): نشر منصات صواريخ مضادة للسفن تمتاز بالتحرك السريع والمخبأة داخل السلاسل الجبلية الممتدة على طول الساحل الشرقي للمضيق، مما يصعّب تحييدها بالكامل عبر الضربات الجوية.
توزيع أدوات الردع: إيجاد جبهات إشغال بحرية ومائية متزامنة عبر الممرات القريبة (مثل باب المندب والبحار المجاورة) لتشتيت التركيز الأمريكي وتقسيم الحضور العسكري بين عدة ممرات مائية حيوية.
خلاصةالمقال وخاتمته
تتحول أوهام فرض “الوصاية المطلقة” على الشرايين المائية إلى مأزق أمني واستنزاف اقتصادي طويل الأجل بمجرد الانتقال من أدوات الردع التقليدية إلى أدوات الحرب غير المتماثلة التي تستغل الجغرافيا والمخاطر الاقتصاديّة العالمية.