الأحد - 16 اغسطس 2026

صَعاليك المَناصِب: أَقنِعَةٌ ضَخمَة لِوُحوشٍ صَغيرَة..!

منذ ساعتين
الأحد - 16 اغسطس 2026

رياض الفرطوسي ||

 

رياض الفرطوسي

 

تصير الحياةُ مسرحاً عبثياً حين يستيقظ المجتمع على واقعٍ يحكمه التافهون والصعاليك الذين تسلقوا جدران السلطة والجاه؛ أولئك الذين أشار إليهم “آلان دونو” في تشريخه لبنية نظام التفاهة.

لكن المصيبة الأكبر لا تكمن فقط في سيطرة التافه، بل في تحوّل هذا “الصعلوك الطارئ” إلى مسؤولٍ يتسنم موقعاً سياسياً أو فكرياً وهو مفرغٌ تماماً من أي عمقٍ أو بنيةٍ معرفية. إنه الكائن الذي لا يملك شجاعة العزلة النبيلة ولا سكينة المحارب، بل يعيش على صخب الإتقان المزيف، وحين أُلقي به فجأة في سدة القرار، لم يجد في جعبته الخاوية سوى مخالب النهش والتخويف والصرامة ليعوض بها عن عقدة دونيته الدفينة.

إن تفكيك هذه الظاهرة يكشف لنا كيف يتحول هذا النموذج الطارئ إلى ممارسةٍ يومية للإفتراس والبطش؛ فالسياسي الطارئ ليس سياسياً برؤية، والمسؤول المزيف ليس صاحب قضية، بل هما مجرد كائنات مريضة تنتمي فلسفياً ونفسياً إلى ما يُعرف بـ “ثالوث الظلام”.

هؤلاء لا يملكون ذواتاً حقيقية يمكن فحصها أو مراجعتها، بل أقنعةً مستعارة يختبئون خلفها. وكما لاحظ عالم النفس والفيلسوف المارتينيكي فرانز فانون في تحليله لسلوك الضحايا المأزومين داخل أقفاص الصراع، فإن الكائن الضعيف المترع بالجبن لا يجرؤ على مواجهة الأقوياء أو الجلادين الأصليين، بل يبحث فوراً عن مسرحٍ سهلٍ للاستعراض، فيختار ضحيةً أعزل ليمارس عليه أقصى أشكال البطش والتنكيل، مستمداً سطوته المزيفة من إخضاع الآخرين، كرسالة تعويضية عن سنوات الذل والتلقين الببغائي التي عاشها.

حين يجد الإنسان الأعزل نفسه(ذاك الذي تجاوز مرحلة الانكسار الداخلي وصار يرى العالم ببصيرة الصمت والعزلة المضيئة)في مواجهة هذا “الوحش الصغير”، تندلع معركة بين طهارتين وثقافتين: ثقافة الامتلاء الذاتي وحرية الروح، وثقافة القطيع الغوغائي الذي يحارب كل ما هو مختلف.

إن الصعلوك الذي أصبح مسؤولاً يرتعد رعباً أمام الفرد المكتمل بذاته؛ لأن المستبد والتافه يعيشان على تصفيق الحشود وإتاوات الخضوع، بينما المستقل الأعزل لا يُشترى ولا يُباع، ولا يستمد قوته من مدح جماعة أو الخوف من رفضها. إن هذا المزيج من السلطة الغاشمة والعقل المعطوب يحوّل القمع من موقفٍ سياسي إلى “عطبٍ بنيوي” ونفسي؛ كائنات مفرغة من المادة الرمادية الحية، بلا ضمير ولا تعاطف، ترى في عذاب الآخرين وإخضاعهم طاقةً للاستمرار ومشهداً للاستعراض الجبان.

ومع ذلك، فإن هذا الصراع الشرس بين الأعزل المدجج بكرامته وبين الصعلوك المدجج بسلطته الواهية، يحمل في طياته النصر الأخلاقي الحقيقي. وكما تعلمنا حكمة سانتياغو في “الشيخ والبحر”، أو كلمة دوستويفسكي العميقة، فإن بعض الهزائم الظاهرة ليست إلا أوسمة نبلٍ وشرف، لأن الإنسان قد يُسحق جسدياً أو يُقصى وظيفياً واجتماعياً، لكنه لا يُهزم أبداً ما دام لم يرفع الراية البيضاء ولم يستسلم للقطيع.

إن شرف هذه المعارك يتجلى في غايتها لا في نتائجها اللحظية. وسيبقى هذا الطارئ الشرير مجرد عقربٍ قاتل يختبئ في حقيبة السفر، مهما ارتدى من ألقاب ومناصب وعناوين، بينما يظل الإنسان الحر المكتمل بذاته شامخاً؛ كسرته التجارب فتعافى منها، وتجاوز مرحلة الانكسار، ليعيش عصياً على المصادرة، بعيداً عن ضجيج التافهين وبطش الوحوش الصغيرة.