قصة قصيرة/ عبيد الدينار..!
أسعد عبد الله عبد علي ||

بين أزقة بغداد المترعة بعبق الورق وذاكرة الحبر، وفي ذلك الشارع الذي تنهب فيه روح المتنبي طمأنينة العابرين – شارع المتنبي الخالد – التقيَت خُطانا مع صديقي “أبو عمار”، ذلك العاشق المتبتل في محراب المجلدات، والنائم في حضن الكلمات، واقفا كمن أثقلته جبال الأرض. لم يكن هماً عابراً مما عكّر صفو وجهه، بل كان شبحاً من خيبة أصيلَة ترسم خيوطها على محياه.
اقتربت منه، وبعينين تفيضان تساؤلاً، سألته عن حاله وما الذي يغتال طمأنينة روحه، فالتفت إليّ بنظرة تحمل تاريخاً من خيبات البشر، وقال بنبرة يشوبها الأسى: «أتعلم يا صديقي؟ إن دنيانا هذه أشبه بلعنة أزلية، أو لعلنا – في غفلة من الزمن – قد عُدنا إلى عصور الجاهلية الأولى، حيث أُسقطت القيم العُليا من عرشها، وأُقيم “الدينار” صنماً يُطاف حوله، ليكونً الدينار الها يُعبد من دون الله».
حثثته على الكلام، وقلت بصوت يملؤه الود: «فضفض لي عما ألمّ بك، فربما خفّ الوزن إذا تقاسمناه».
فتنهد زفرة كادت تقتلع صدره، وقال: «في لظى هذا الشهر اللاهب – آب الذي تذوب فيه الأحلام كالشمع – كنت أفتش عن مأوى يستر عائلتي، أربع جدران تؤويناً. طال بي السعي، وكسرت الخيبات مجاديفي مراراً، إلى أن لمع في سماء (الفيسبوك) إعلان عن بيت للايجار. لمعت في عيني ومضة أمل؛ أهو اللقاء المنتظر بالاستقرار؟ اتصلت بصاحب الدار، وحثثت الخطى نحوه، وأمنياتي تسبقني .. وحين أتيته، رأيت على وجهه سيماء الصالحين؛ لحيةً مرخاة، وسمتاً يوحي بالتقوى، وكان ينادى بـ “الحاج الورع”.
دخلت البيت، وكان مناسباً لحال عائلتي، واتفقنا على كل شيء. وقبل أن أغادر، استوهبته ساعة واحدة فقط أرتّب فيها أوراقي، فوافق. وكانت بيننا “كلمة”.. والكلمة في قاموس الشرف القديم عقدٌ مقدّس، وشرف يُصان، بل إن وزن الرجل يُقاس بصدق حرفه.
عَدوتُ إلى بيتي متهللاً، وأعدّت حساباتي المالية الضئيلة، وما إن فرغت حتى اتصلت به لأزفّ إليه تمام الموافقة وأطلب مفتاح الحلم. فإذا بالحاج الورع يفرغ في أذني سمّاً بارداً: “أنا آسف.. لقد أجّرت البيت لغيرك”.
صعقتني المفاجأة! فاض بي الكيل، وانفجرتُ في وجهه صارخاً: أين ذهبت الكلمة؟ ألستَ رجلاً؟ إنما يُقاس المرء بكلمته متى صدقت، وهي عهدٌ لا يُنقض! أنت لست بحاجٍ، ولست برجلٍ.. أنت لستَ سوى عبدٍ ذليل للدينار! .. ثم أغلقت الخط بوجهه، وتركت الهاتف ينزف غضباً».
نظر إليّ أبو عمار بعد أن فرغ من قصته، وعيناه تشعان بمرارة اليقين، فما أملكت إلا أن أربت على كتفه، محاولاً مواساته بكلمات تشبه البلسم، رغم أن روحي أنا الأخرى كانت مثقلة بتعسر الحال وطول انتظار ذلك الفرج البعيد، وكأننا في هذا العالم الطيني لا نملك سوى أن نواسي أوجاع بعضنا ببعض، على أمل أن تشرق شمس الحقيقة يوماً, وتغسل أدران هذا الزمان المادي القاسي.
الاربعاء – 12 – آب – 2026
العراق – بغداد




