الاثنين - 27 يوليو 2026

اليمن.. بين الهيمنة الخارجية والصراع الداخلي: قراءة في جذور الأزمة وتحولات المشهد السياسي..!

منذ ساعتين
الاثنين - 27 يوليو 2026

محمد علي اللوزي ||

 

 

 

ظل اليمن لعقود طويلة ساحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية، بحكم موقعه الجغرافي الاستراتيجي وإشرافه على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إضافة إلى خصوصيته الحضارية والاجتماعية والسياسية. ومن بين أكثر الملفات إثارة للجدل في التاريخ اليمني الحديث طبيعة العلاقة اليمنية السعودية، وما إذا كانت هذه العلاقة قامت على التعاون وحماية المصالح المشتركة، أم أنها تحولت وفق رؤية قطاع واسع من اليمنيين إلى علاقة وصاية وهيمنة أثرت بصورة مباشرة في القرار الوطني اليمني.

إذيرى أصحاب هذا الرأي أن السياسة السعودية تجاه اليمن لم تقتصر على البعد الأمني أو الدبلوماسي، وإنما امتدت إلى التأثير في البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية. فمن خلال شبكة واسعة من التحالفات مع شخصيات قبلية وسياسية ودينية، إضافة إلى الدعم المالي والإعلامي، تمكنت الرياض بحسب هذا التصور من بناء نفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، بما جعل القرار اليمني في كثير من المحطات التاريخية خاضعا لتوازنات إقليمية أكثر من خضوعه للإرادة الوطنية المستقلة.
وفي الجانب الديني، يذهب هذا المنظور إلى أن أحد أهم أدوات النفوذ تمثلت في نشر الفكر الوهابي منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، مستفيدا من الإمكانات المالية الكبيرة التي سخرت لبناء المعاهد الدينية والمراكز العلمية والمساجد، وتوفير المنح الدراسية والمناهج المجانية ودور الرعاية، بما أدى إلى نشوء تيار ديني جديد لم يكن يمثل الامتداد التاريخي للمشهد المذهبي اليمني.
فقدعرف اليمن عبر تاريخه الطويل حالة من التعايش بين المذهبين الزيدي والشافعي، إضافة إلى وجود الإسماعيلية في بعض المناطق، دون أن تتحول الاختلافات الفقهية إلى حروب مذهبية واسعة. وقد ظل الانتماء الوطني والقبلي والاجتماعي يتقدم غالبا على الانقسام المذهبي، مما حافظ على قدر كبير من الاستقرار والتعايش لقرون طويلة.

هذه القراءة إذا ترى أن دخول الفكر الوهابي إلى اليمن أحدث تحولا عميقا في طبيعة الخطاب الديني، حيث برزت مفاهيم التكفير والتبديع والتخوين بصورة لم تكن مألوفة في البيئة اليمنية، كما ظهرت تنظيمات وتيارات سلفية توسعت بدعم مالي وتعليمي وإعلامي كبير، وانخرطت لاحقا في الحياة السياسية والعسكرية، إلى جانب قوى إسلامية أخرى مثل جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما أدى إلى تغير موازين القوى داخل المجتمع.

وبحسب هذا الطرح، لم يكن الهدف مجرد نشر توجه ديني معين، وإنما إعادة تشكيل البنية الثقافية والسياسية لليمن بطريقة تجعلها أكثر ارتباطا بالمشروع الإقليمي السعودي، وتحد من أي مشروع وطني مستقل قد يخرج عن دائرة النفوذ التقليدي.والحقيقة ا أن آثار هذه السياسات انعكست على الحياة العامة، خيث تصاعدت حدة الاستقطاب الفكري، وانتشرت ثقافة التخوين، وبرزت ظواهر الاغتيالات السياسية والصراعات المسلحة، وتحولت الفتاوى الدينية في بعض المراحل إلى أدوات للتعبئة السياسية، الأمر الذي عمق الانقسام داخل المجتمع اليمني.

ومع بروز جركة أنصار الله لاعبا رئيسيا في المشهد اليمني، دخلت البلاد مرحلة جديدة. فقد قدمت الحركة نفسها باعتبارها مشروعا يهدف إلى إنهاء الهيمنة الخارجية واستعادة القرار الوطني المستقل، وهو ما أدى إلى تصاعد التوتر بينها وبين المملكة العربية السعودية، وصولا إلى اندلاع الحرب عام 2015 ضمن تحالف عسكري تقوده الرياض لدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا وبذريعة اعادة الشرعية. وماحدث هي حرب ضد اليمن ككيان حضاري ارادت الرياض تدميره بكل بناه الاجتماعية والسياسية والدينية ومقدراته وامكاناته المادية بحيث تمكنت من خلال مأتين وخمسين الف غارة جوية على هدم كل مابنته اليمن في مجالات التنمية كل ذلك تم ، بذريعة مواجهة النفوذ الإيراني واستعادة الشرعية التي زادت ارتخاءا وتفككا وانفساما وارتهانا، إذلم تكن سوى جزء من الخطاب السياسي والإعلامي السعودي، بينما يتمثل جوهر الصراع في منع تشكل سلطة يمنية مستقلة لا تخضع للنفوذ السعودي، والحفاظ على التوازنات التي سادت لعقود.

أن تصوير الصراع بوصفه مواجهة مذهبية بين الزيدية والسلفية الوهابية ، أو باعتباره امتدادا للصراع الإيراني السعودي، أدى إلى تحويل الأنظار عن البعد الوطني المتعلق بالسيادة والاستقلال. وفي هذا السياق، انتشرت أوصاف مثل الروافض والمجوسوأتباع إيران في الخطاب التعبوي لبعض الجهات، وهو خطاب يرى منتقدوه أنه أسهم في تأجيج الانقسام المجتمعي وإضفاء بعد ديني على نزاع ذي أبعاد سياسية وإقليمية معقدة.

والواقع إن استمرار هذا الخطاب لم يكن عفويا، بل جاء نتيجة تراكم طويل من دعم وتمويل المؤسسات التعليمية والدعوية والإعلامية التي تشكلت خلال عقود، وأسهمت في إنتاج أجيال تحمل تصورات متشددة تجاه المخالف المذهبي والسياسي، الأمر الذي جعل الانقسام أكثر عمقا وصعوبة في المعالجة.الى جانب تداخل عوامل داخلية وإقليمية متعددة، تشمل ضعف مؤسسات الدولة، والصراعات السياسية، والتنافس القبلي، والأوضاع الاقتصادية، إضافة إلى تدخلات عدة أطراف إقليمية ودولية. ومن ثم، فإن فهم الأزمة يتطلب النظر إليها بوصفها نتيجة شبكة معقدة من العوامل، وليس سببا واحدا فقط.

وبغض النظر عن اختلاف التفسيرات، فإن الثابت أن اليمن دفع ثمنا باهظا من أمنه واستقراره ووحدته الاجتماعية. فقد أدت سنوات الحرب إلى انهيار اقتصادي واسع، وتراجع الخدمات الأساسية، واتساع رقعة الفقر والنزوح، وتعميق الانقسامات السياسية والمجتمعية.

إن استعادة اليمن لعافيته يتطلب بناء دولة تستند إلى المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وتحترم التعددية المذهبية والفكرية، وتمنع توظيف الدين في الصراعات السياسية، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني وإقامة علاقات متوازنة مع جميع دول الجوار تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يضمن أمن المنطقة واستقرارها ويعيد لليمن دوره الحضاري والتاريخي.

ولعل السعودية تستيقظ لتعرف إن ماكان بالأمس متاخا لها صار اليوم مستحيلا. وأن عليها التعامل بندية وترك اليمنيين وشأنهم فهم أدرى به وأقدر على تجاوز معضلات الواقع والتي معضمها منشأه سعودي. فهل تدرك الرياض هذا الامر وتتجاوز وهم القوة التي تعيش عليها. ام سنبقى حبيسة تصور عقيم ارثته من مؤسس دولتها.