(المحطة الثالثة) ماذا يريد العراق من تركيا بعد واشنطن وطهران؟!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

في السياسة، لا تُقاس أهمية الزيارات الرسمية بعدد الإتفاقيات التي تُوقَّع، بل بتوقيت الزيارة وما تحمله من رسائل وما تفتحه من مسارات جديدة، ومن هذا المنطلق، تكتسب زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى تركيا أهمية إستثنائية، لأنها تأتي بعد محطتين بالغتي الأهمية في واشنطن وطهران، لتشكل الحلقة الثالثة في سلسلة تحركات دبلوماسية تعكس محاولة عراقية لإعادة رسم موقع البلاد في خريطة التوازنات الإقليمية والدولية.
المنطقة اليوم ليست كما كانت قبل أشهر؛ الحرب في الشرق الأوسط أعادت ترتيب الأولويات، والتنافس الأمريكي–الإيراني ما زال يلقي بظلاله على العراق، فيما تواصل تركيا تعزيز حضورها الإقتصادي والأمني في الإقليم، وفي ظل هذه البيئة المضطربة، يبدو أن بغداد إختارت سياسة تقوم على الإنفتاح على الجميع، بدلاً من الإرتهان لأي محور.
“من الأمن إلى الإقتصاد” لن تكون أجندة الزيارة محصورة بالملفات التقليدية، فالعراق وتركيا يواجهان مجموعة من القضايا المتشابكة، تبدأ بالأمن ولا تنتهي بالاقتصاد، فالملف الأمني سيبقى حاضراً بقوة، ولا سيما ما يتعلق بالوجود العسكري التركي داخل الأراضي العراقية، ونشاط حزب العمال الكردستاني، فأنقرة تنظر إلى الحزب بإعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي، بينما تؤكد بغداد أن حماية السيادة العراقية تمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، ومن هنا، فإن نجاح الزيارة لن يُقاس بإصدار بيانات سياسية، بل بقدرة الطرفين على الإنتقال من إدارة الأزمة إلى بناء آلية تعاون أمني مشتركة، يكون فيها الجيش العراقي هو صاحب الدور الرئيس في حماية الحدود، بما يحقق أمن تركيا ويحفظ في الوقت نفسه سيادة العراق.
(المياه) إختبار الثقة الحقيقي.. إذا كان الأمن يمثل التحدي الأول، فإن المياه تمثل التحدي الأكثر حساسية، فالعراق يواجه أزمة مائية غير مسبوقة بسبب تراجع الإطلاقات في نهري دجلة والفرات، بينما تؤكد تركيا أن إدارة الموارد المائية تخضع لإعتبارات فنية ومناخية؛ لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تمتلك بغداد اليوم أوراق تفاوض أقوى من السابق؟ الإجابة ليست سهلة، إلا أن العراق أصبح يمتلك عناصر جديدة يمكن البناء عليها، أهمها مشروع طريق التنمية، وإتساع حجم التبادل التجاري، وحرص أنقرة على تحويل أراضيها إلى مركز إقليمي للطاقة والنقل.
هذه المصالح المتبادلة قد تمنح بغداد قدرة أكبر على التفاوض، ليس للحصول على وعود مؤقتة، بل للوصول إلى تفاهمات مستدامة تضمن إدارة عادلة للمياه؛ ننتقل إلى الإقتصاد الذي يعتبر اللغة التي يفهمها الجميع بعيداً عن الخلافات السياسية، ويدرك الطرفان أن الإقتصاد أصبح المدخل الأكثر واقعية لبناء علاقات مستقرة، فإستئناف تصدير النفط العراقي عبر ميناء جيهان، إلى جانب مشروع طريق التنمية، يمكن أن يؤسسا لشراكة إستراتيجية تتجاوز المصالح الآنية.
العراق يمتلك الموقع الجغرافي الذي يربط الخليج بأوروبا، وتركيا تمتلك البنية التحتية التي تؤهلها لتكون بوابة رئيسة للأسواق الأوروبية، وعندما تلتقي هذه المصالح، فإن الحديث لا يعود عن إتفاقيات مؤقتة، بل عن مشروع إقتصادي قد يغير طبيعة العلاقة بين البلدين لعقود قادمة.
ننتقل إلى سياسة التوازن، وهل ستنجح بغداد بفرض سياسة التوازن على الداخل..؟ فبعد زيارة واشنطن، ثم طهران، وها هي أنقرة، تتضح ملامح سياسة عراقية جديدة تقوم على مبدأ التوازن؛ فالعراق لا يريد أن يكون جزءاً من الصراع الأمريكي–الإيراني، ولا يرغب في خسارة علاقاته مع تركيا، كما يسعى في الوقت ذاته إلى تطوير شراكاته مع الدول العربية والمجتمع الدولي.
نعم. إنها سياسة تقوم على مبدأ بسيط: صداقة مع الجميع، وعداء مع لا أحد، ومصلحة العراق فوق كل إعتبار، غير أن هذه السياسة لن تنجح بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى قرار وطني مستقل، وإلى قدرة على مقاومة الضغوط الكثيرة التي تمارسها القوى الإقليمية والدولية على الساحة العراقية.
قد تكون زيارة أنقرة أكثر من مجرد محطة دبلوماسية، وربما تمثل إختباراً حقيقياً لقدرة العراق على التحول من دولة تتأثر بصراعات الآخرين إلى دولة تصنع التوازن بينهم، فالنجاح لن يقاس بعدد مذكرات التفاهم، بل بمدى قدرة الحكومة على تحويل نتائج الزيارة إلى مشاريع تنموية، ومياه أكثر للعراق، وتعاون أمني يحترم السيادة، وشراكة إقتصادية تفتح أبواب الإستثمار والعمل.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة:
هل ستنجح بغداد في تحويل مثلث (واشنطن–طهران–أنقرة) إلى مثلث يخدم المصالح العراقية، أم أن تعقيدات الإقليم ستبقى أقوى من طموحات الدبلوماسية العراقية؟
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع



