الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

حين عجز البعث عن إطفاء راية الحسين يحاول الورثة تمزيق الصور..!

الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

ضياء ابو معارج الدراجي ||

 

 

 

لم يكن البعث يخشى قطعة قماش سوداء، ولا صورةً معلقة على جدار، ولا مجلس عزاء يُقام في بيت متواضع. كان يخشى الفكرة التي تحملها تلك الرايات، ويخشى الحسين عليه السلام لأنه رمزٌ يوقظ الضمائر ويرفض الذل، لذلك حارب الشعائر الحسينية بكل ما أوتي من بطش.

كنت طفلاً في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وكانت عاشوراء بالنسبة لنا موسماً للإيمان والكرامة. كان والدي رحمه الله يقيم مجلساً حسينياً في بيتنا بحي الجزائر في منطقة الشعب، ويلقي المحاضرات السيد ناصر بن السيد حيدر رحمهم الله صاحب حسينة السيد حيدر المشهورة في منطقة الجزائر ، بينما كانت والدتي، حفظها الله، تعلق رايات الإمام الحسين عليه على سطح منزلنا، وتسهر الليل تطبخ الهريسة لتوزعها على الجيران صباحا حباً بخدمة أبي عبد الله الحسين عليه السلام.

ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية، لتبدأ معها حملة قمع لم تفرق بين شيخ وطفل. اعتُقل والدي والسيد ناصر في أول محرم بعد اندلاع الحرب، وسُجنا وتعرضا للتعذيب، ولم يخرجا إلا بعد توقيع تعهدات بعدم إقامة المجالس الحسينية. وأنزلت النظام الساقط رايات الإمام الحسين من فوق بيتنا ومن بيوت المؤمنين، لأنه كان يرى في الشعائر الحسينية عدواً يجب القضاء عليه.
لكنهم لم ينتصروا.
تحولت المجالس من العلن إلى السر، ومن الحسينيات إلى البيوت، ومن الساحات إلى غرف الاستقبال. كانت والدتي تعلق الرايات داخل المنزل بعيداً عن أعين البعثيين، وتوزع الطعام في ساعات متأخرة من الليل، لأن حب الحسين لا يُعتقل، ورايته لا تُنكس، وعاشوراء لا تُلغى بقرار سلطوي.

واليوم، وأنا أشاهد اعتقال عدد من أبطال الحشد في كربلاء وتمزيق صور الشهداء ورموز المقاومة بحجة أنها “شعارات سياسية”، عادت بي الذاكرة إلى تلك الأيام السوداء قبل 46 عام. قد تختلف العناوين، لكن النتيجة واحدة هي محاولة مصادرة ما يؤمن به ملايين العراقيين.

إن من يتوهم أن تمزيق صورة سيُسقط رمزاً، أو أن إزالة راية ستُميت قضية، لم يقرأ التاريخ. البعث امتلك أجهزة الأمن والجيش والسجون والمشانق، ومع ذلك سقط وبقيت راية الحسين مرفوعة، وبقيت المجالس عامرة، وبقيت الشعائر أقوى من كل الطغاة.

إن احترام القانون لا يكون بإهانة مقدسات الناس ولا باستفزاز مشاعرهم، بل بصيانة حقهم في التعبير عن معتقداتهم ضمن الأطر القانونية. أما استهداف الرموز التي يجلها ملايين العراقيين فلن ينتج إلا مزيداً من الاحتقان والرفض الشعبي.
لقد جرب الطغاة قبلهم هذا الطريق، وكانت نهايتهم في مزبلة التاريخ. أما الحسين، فقد بقي منذ أكثر من أربعة عشر قرناً حياً في ضمير الأمة، وستبقى راياته وصور الشهداء الذين ارتبطت تضحياتهم بهذه المدرسة حاضرة في كل يوم، مهما حاول البعض طمسها.
اعلموا جيداً:
الرايات لا تُهزم بإنزالها، والصور لا تموت بتمزيقها، والعقائد لا تُقمع بالاعتقالات. وكل من يكرر أخطاء الماضي، سيجد نفسه يكرر أيضاً نهاياته.

ضياء ابو معارج الدراجي