الثلاثاء - 23 يونيو 2026

قمر بني هاشم… ملحمة الوفاء والشهادة والدروس الخالدة..!

منذ ساعة واحدة
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

المهندس يونس الكعبي ||
23 حزيران 2026

 

 

 

في تاريخ البشرية محطات مشرقة ومواقف تظل حية في وجدان الأمة ، تنير الدرب للأجيال المتعاقبة. ومن أشهر هذه المحطات مواقف وسيرة الأمام العباس بن علي (عليهما السلام) ، “قمر بن هاشم” ، التي تجسدت في شخصيته أسمى معاني البطولة ، والفداء ، والولاء المطلق للحق. أن أستشهاد الأمام العباس في واقعة الطف الأليمة بكربلاء لم يكن مجرد حدث تاريخي عابر ، بل كان تتويجاََ لملحمة أنسانية وعقائدية صاغتها الدماء الطاهرة لتصبح منارة للأحرار في كل زمان ومكان.

ولد الأمام العباس (ع) في بيت مهبط الوحي ومنبع الشجاعة ؛ فوالده هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ، وأمه هي السيدة الفاضلة أم البنين (عليها السلام) التي ربته على قيم التضحية والأيثار . نبت العباس (ع) في هذه البيئة الطاهرة ، فكان جامعاََ بين العلم الغزير ، والعبادة الخاشعة ، والشجاعة الفائقة التي ورثها عن أبيه.

في واقعة الطف عام 61 هجرية تجلت عظمة أبي الفضل العباس (ع) عندما قلد لواء الحسين (ع) ، فكان حامل اللواء وكافل الحوراء زينب. ولم يكن مجرد محارب شجاع ، بل كان السند و العضد لأخيه الحسين ، وصاحب المواقف الأنسانية التي تجسدت بأبهى صورها عندما أقتحم نهر العلقمي ليجلب الماء للأطفال والنساء العطاشى ، ضارباََ أروع أمثلة التضحية حينما رفض أن يشرب قطرة ماء واحدة وأخوه الحسين وأهل بيته عطاشى.

الدروس المستنبطة من مواقف الأمام العباس (ع):
أن سيرة أبي الفضل العباس مدرسة متكاملة ، ونستطيع أن نستنبط منها دروس بليغة تنفعنا في حياتنا المعاصرة ومنها:

* الوفاء والثبات على المبدأ ، فالعباس عليه السلام رفض رفضاََ قاطعاََ لصكوك الأمان التي عرضت عليه من قبل معسكر الأعداء ليترك أخاه الحسين. هذا الدرس يعلمنا أن المباديء والقيم الحقة لا تباع ولا تشترى ، وأن الوفاء للحق والقيادة الرسالية مقدم على كل مصلحة دنيوية.
* الأيثار والتضحية بالنفس ، تجلى هذا الأيثار في أعمق صوره عند المشرعة ، حين قال مواسياً لنفسه: “يا نفس من بعد الحسين هوني ، وبعده لا كنتِ أو تكوني”.هذا الأيثار يربي في نفوسنا تقديم الصالح العام ومصلحة الأمة على المصالح الذاتية الضيقة.
* البصيرة النافذة والوعي العقائدي ، فكان الأمام العباس (ع) كما وصفه الأمام الصادق (ع) بقوله “كان عمنا العباس بن علي نافذ البصيرة ، صلب الأيمان”. لم تكن شجاعة العباس مجرد أندفاع عاطفي ، بل كانت نابعة من وعي سياسي وعقائدي عميق وفهم حقيقي لخطورة الأنحراف الذي كان يهدد الأمة الأسلامية.
* الأخوة الحقيقية والتكافل ، حيث جسد الأمام العباس (ع) المفهوم الأسمى للأخوة والدعم والمساندة في أوقات المحن والأزمات ، فلم يترك أخاه وأهل بيته حتى قُطعت يداه وأستشهد في سبيل ذلك.

كيف نستفيد من هذه السيرة العطرة في واقعنا؟
أن أحياء ذكرى أستشهاد الأمام العباس (ع) لا ينبغي أن يقتصر على البكاء والعاطفة فقط ، بل يجب أن يتحول إلى منهج عملي في حياتنا من خلال:
* نصرة الحق ومواجهة الظلم ، عبر أتخاذ مواقف شجاعة ضد كل أشكال الفساد والظلم في مجتمعاتنا ، والوقوف مع المستضعفين والمظلومين.
* تعزيز قيم التكافل الأجتماعي ، بالأقتداء بالقاب العباس (السقاء ، أبو الغوث ، ساقي العطاشى) ، من خلال مد يد العون للمحتاجين ، ورعاية الأيتام ، والمساهمة في سد حاجات المجتمع بروح الأيثار والمسؤولية.
* ترسيخ الوعي والبصيرة ، بمواجهة الشائعات والتضليل الفكري بنفاذ البصيرة والتمسك بالقوانين والمباديء الأنسانية والدينية السامية ، وتجنب الأنجرار وراء المغريات التي تضر بوحدة المجتمع وقيمه.

يبقى الأمام العباس (ع) رمزاََ حياََ عابراََ للزمان والمكان ، تلوذ به القلوب المخلصة لتستمد منه العزم والأرادة. أن شهادته التي توج بها مسيرته العطرة ستبقى صرخة مدوية في وجه الطغيان ، ونبراساََ يضيء دروب الأحرار السائرين نحو الكرامة والحرية والوفاء. فسلام عليه يوم وُلد ، ويوم أستشهد ، ويوم يبعث حياََ.