اليمن في مواجهة الحصار.. إرادةٌ لا تنكسر وسيادةٌ لا تُستباح ونذير للمعتدين..!
القاضــــــي/ حسين بن محمد المهدي. عضو رابطة علماء اليمن

{كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّـهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}
إن التاريخ لا ينسى، والأرض لا تغفر لمن استباح حرماتها، واليمن اليوم –بإيمان أهلها وحكمتهم– تقف كالجبل الراسخ في وجه عاصفة من الظلم الذي تجاوز كل الحدود والأعراف. إن حصار اليمن، براً وبحراً وجواً، ليس مجرد إجراء عسكري أو سياسي، وإنما هو وصمة عارٍ في جبين الإنسانية، وخرقٌ صارخ لكل شريعة سماوية وقانون أرضي، يعجز العقل السليم عن استيعابه، وتأبى النفس الحرة عن قبوله.
وليس هذا أول حصارٍ تتعرض له اليمن عبر تاريخها الطويل، فقد واجه اليمنيون على مر العصور الغزوات والمؤامرات والحصارات، لكنهم كانوا يخرجون منها أكثر صلابةً وأشد تمسكاً بسيادتهم وكرامتهم، حتى غدا الصمود جزءاً من هوية هذا الشعب، والعزة سمةً ملازمةً لتاريخه وحاضره.
إرادة لا تنكسر
إن الحصار الذي فُرِض على الشعب اليمني، بإغلاق مطاراته وموانئه ومنع مقومات الحياة عنه، قد أثبت للعالم أجمع حقيقةً واحدة: أن هذا الشعب يمتلك من “الإيمان اليماني” و”الحكمة اليمانية” ما يجعله عصياً على الانكسار. إن المتكالبين على ثروات اليمن ومقدراتها قد أخطأوا الحساب؛ فاليمن اليوم ليس لقمة سائغة، وإنما هو حصنٌ منيع تنبثق قوة أهله من عقيدةٍ راسخة، وإرادةٍ لا تعرف الكلل، وعلمٍ يدرك خبايا المكر والخديعة.
فقد أعلن اليمن التعبئة العامة، فهو أبي لن ينكسر.
أَبى أَنْ يَسْتَكينَ لِضَيْمِ دَهْرٍ ** وَأَنْ يَحْني لِغَيْرِ اللهِ حِينا
وَلَكِنَّ التَّحَدِّيَ نَبْضُ قَلْبٍ ** إِذا ضاقَ المَدى كُنّا المَدينا
وَمَنْ يبنى لِلْمَعالي صَرْحَ عِزٍّ ** تَمَلَّكَ مِن خَوارِقِها يَقِينا
إِذا اسْتَطالَ بنا الحِصارُ ظلما ** تَجَلَّتْ عَزْمَةُ الصُّمِّ السَّنينا
فَلا يَغْرُرْكُمُ صَمْتُ الـمَنايا ** إِذا زَأَرَتْ لَأَحْرَقَتِ القَرينا
وَكَمْ مِنْ قُوَّةٍ جَبَرَتْ فَوَلَّتْ ** وَأَصْبَحَ رُكْنُها هَباءً دَفِينا
فَمَنْ يَبْني الكَرامَةَ فَوْقَ هَامٍ ** يُسَطِّرُ في المَلاحِمِ ما نَسينا
وَأَنْ تُغْلِقْ ثُغورَكَ لا أُبالي ** فَإِنَّ الحَقَّ يَفْتَحُ كُلَّ حِينا
ولم يقتصر أثر الحصار على الجوانب السياسية والعسكرية فحسب، وإنما امتدت آثاره إلى حياة المدنيين اليومية، فكان المرضى والأطفال والطلاب والمسافرون من أكثر المتضررين منه. لقد أُغلقت أبواب العلاج أمام كثير من المرضى، وتعطلت مصالح الناس، وتفاقمت المعاناة الإنسانية بصورة تتنافى مع أبسط القيم الأخلاقية والأعراف الدولية، الأمر الذي يجعل استمرار هذا الحصار وصمةً لا تمحوها الأيام من سجل من تسببوا فيه أو دافعوا عنه.
تحذيرٌ من عواقب الطغيان
فاليمن بإعلانه أن قوة التعبئة العامة ماضية في سبيل أداء واجبها وحشد جميع قواتها إنما توجه رسالة واضحة، فصيحة، ومباشرة لكل من سوّلت له نفسه الاستمرار في هذا العدوان والحصار الجائر، وإن صبر اليمن له حدود، وإن اليد التي تدافع عن الأرض والعرض اليوم بالحكمة، تملك القدرة السياسية والعسكرية على تحويل طاولات القمار السياسي إلى ساحات من الحروب الطاحنة. وإن استمرار سياسة الحصار وتجويع الشعب اليمني سيفتح أبواباً من الجحيم، ستكتوي بنارها المنطقة بأسرها. فعندما تُستنفر طاقات أبناء اليمن، وتُشهر وسائل القتال براً وبحراً وجواً، ستتحول المعركة إلى طوفان لا يوقفه سد، ولا تمنعه تحصينات. إنها دعوة للتعقل قبل فوات الأوان، فالحرب التي تُشعل جذوتها اليوم لن تُبقي ولن تذر، وسيخرج اليمن منها منتصراً بإذن الله.
إن إشغال اليمن وقواه الحية في حروب استنزاف وحصار، هو جزءٌ من مخططٍ صهيوني لتمزيق أوصال الأمة، وتفتيت قواها، وإبقائها في حالة من الضعف والتشرذم.
إن الدماء التي تُسفك في اليمن، والمعاناة التي يعيشها أبناؤها بسبب الحصار، هي خسارةٌ استراتيجية لكل عربي ومسلم، وهي هديةٌ مجانية على طبق من ذهب لأعداء الأمة.
إن اليمن، بقلبها النابض بالإيمان، وعقول أبنائها المتوقدة بالمعرفة، لن تظل أسيرة لهذا الحصار إلى الأبد. إن خياراتها في الدفاع عن سيادتها باتت جاهزة، وساعة الحسم تقترب. فليعلم المعتدون أنهم أمام شعبٍ اختار العزة على الركوع، وأن الحروب الطاحنة إذا اندلعت، فلن تكون نزهة، ولن تنتهي إلا ب إلا بتغيير معادلات المنطقة بالكامل.
اتقوا الله في هذه الأمة، وارفعوا الحصار عن اليمن، فالتاريخ لا يرحم، والعدالة الإلهية قائمة، وحكمة اليمانيين تسبقها دائماً قوة إيمانهم. فلن ينال أعداء اليمن ما يتمنونه أبدا، فلسان الحال قائل:
وَمَا نَيْلُ الكَرَامَةِ بِالتَّمَنِّي ** وَلا بِرِضَا الظَّلُومِ إِذَا التَقَيْنَا
وَلَكِنْ بِالنُّفُوسِ إِذَا اسْتَشَاطَتْ ** وَصَاغَتْ مِنْ مَلاحِمِهَا اليَقِينَا
إِذَا حُوصِرْتَ فِيهَا بَرَّاً وَبَحْراً ** فَإِنَّ المَجْدَ يَنْبُتُ فِي يَدَيْنَا
وَمَا عَقْلُ اللَّبِيبِ يَضِيقُ ذَرْعاً ** إِذَا أَمْسَى الحِصَارُ لَنَا سَفِينَا
هُوَ “الإِيمَانُ” إِنْ يَسْرِي بِقَوْمٍ ** أَعَادُوا مَجْدَ أَعْظَمِنَا سِنِينَا
فَلا تَحْسَبْ هُدُوءَ المَوْجِ عَبْثاً ** فَكَمْ فِي العُمْقِ أَعْصَارٌ دَفِينَا
سَتَشْهَدُ هَذِهِ الدُّنْيَا جِهَاداً ** يَكُونُ عَلَى الغُوَاةِ هُوَ المَنُونَا
فَإِمَّا أَنْ نَعِيشَ بِها كِرَاماً ** وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ الـمُعْجِزِينَا
اليمن: سيادةٌ لا تُقهر وصيحةُ حقٍّ في وجه الحصار
إنَّ اليمنَ اليومَ لا يمثلُ نفسَه فحسب، وإنما يمثلُ ضميرَ الأمةِ الحيَّ الذي يأبى الانكسار. هي أرضُ الإيمانِ والحكمةِ، مهدُ الحضارةِ وموطنُ العزةِ، التي طالما كانت عصيةً على الغزاةِ، وستظلُّ بإذن اللهِ حصناً منيعاً لا تنالُه مطامعُ الطامعين. إنَّ الحصارَ الجائرَ المفروضَ على اليمنِ، براً وبحراً وجواً، ليس مجردَ عزلٍ لجغرافيا، وإنما هو إعلانُ حربٍ على إرادةِ شعبٍ قررَ أن يظلَّ حراً، وهو خرقٌ فاضحٌ لكلِّ نواميسِ السماءِ وقوانينِ الأرضِ وأعرافِ الإنسانيةِ.
نذيرٌ لعواقبِ التمادي
إلى المعتدين الذين ظنوا أنَّ حصارَ الموانئِ والمطاراتِ سيفتُّ في عضُدِ اليمنيين، نقولُها بكلمةٍ فصلٍ: إنَّ صبر اليمنيين الذي يستمدُّونه من حكمةٍ يمانيةٍ أصيلةٍ، ليس ضعفاً، إنما هو عينُ القوةِ التي تسبقُ العاصفة. إنَّ استمرارَ هذا الحصارِ الظالمِ يُحيلُ المنطقةَ إلى برميلِ بارودٍ، فاليمنُ اليومَ يمتلكُ من القدراتِ العسكريةِ والسياسيةِ ما يجعلُه قادراً على قلبِ المعادلاتِ رأساً على عقب.
إنَّ نيرانَ الحروبِ الطاحنةِ التي قد يُشعلُها هذا الحصارُ لن تقفَ عند حدودِ اليمنِ، وإنما ستمتدُّ لتلتهمَ كلَّ من شارك أو سكتَ أو تآمر. إنَّ أبناءَ اليمنِ الذين استقرت دعائمُ الإيمانِ في قلوبِهم، وتجذرت في جوانحِهم، هم اليومَ في أتمِّ الجاهزيةِ لخوضِ غمارِ مواجهةٍ شاملةٍ لا تُبقي ولا تذر، مستخدمين كلَّ ما في جعبتِهم من إرادةٍ، وصواريخَ، وتقنياتٍ قتاليةٍ بريةٍ وبحريةٍ وجويةٍ، لن ينجو من لهيبِها مَن سوّلت له نفسُه استباحةَ دماءِ هذا الشعبِ الصابرِ.
المستفيدُ الوحيدُ: العدوُّ المتربصُ
إنَّ ما يثيرُ الدهشةَ والأسى أنَّ هذا التكالبَ على اليمنِ لا يخدمُ في حقيقتِه إلا أجندةَ الصهيونيةِ العالميةِ التي تعيثُ فساداً في أرضِ فلسطينَ وتدنسُ مقدساتِنا. إنَّ استنزافَ قدراتِ اليمنِ في حروبٍ إقليميةٍ هو خدمةٌ مجانيةٌ للعدوِّ الصهيونيِّ الذي يتغذى على تمزقِ الأمةِ وتفتتِ جبهتِها. فهل يعي المعتدون أنهم بضربِهم لليمنِ، إنما يضربون حائطَ الصدِّ الأخيرِ في وجهِ التمددِ الصهيونيِّ؟ إنَّ المستفيدَ من حرائقِ الحروبِ هو ذاتُه الذي يقفُ وراءَ حصارِنا، يراقبُ المشهدَ ويغذي الفتنةَ ليحققَ مطامعَه في أرضِنا ومقدساتِنا.
ختامٌ.. فهل من مُدَّكر؟
إنَّ اليمنَ اليومَ يضعُ العالمَ أمامَ حقيقتِهِ المرةِ؛ فإما رفعُ هذا الحصارِ المجرمِ فوراً، وإما الانزلاقُ نحو كارثةٍ إقليميةٍ لا تُحمدُ عقباها. إنَّ يد اليمنيين التي تمدُّ بالسلامِ هي ذاتها التي ستضغطُ على زنادِ الدفاعِ عن السيادةِ والعزةِ بصلابةٍ لا تعرفُ المهادنةَ.
لقد آنَ للمعتدين أن يدركوا أنَّ حصارَهم هو الذي يوقدُ نارَ الحسمِ، وأنَّ إرادةَ اليمنِ القائمةَ على إيمانٍ عميقٍ وعلمٍ دقيقٍ، ستكونُ هي الغالبة بإذن الله. فكفّوا أيديكم عن اليمنِ، فالتاريخُ يُسجلُ، والعدالةُ لا تموتُ، والندمُ لا ينفعُ حين تقعُ الواقعةُ وتشتعلُ نيرانُ الحربِ التي لا تبقي ولا تذر. وسيبقى اليمن ـ مهما اشتدت الخطوب وتعاظمت التحديات ـ عصياً على الانكسار، لأن الأمم لا تُقاس بما تملك من عتادٍ فحسب، وإنما بما تملك من إيمانٍ بحقها، وثباتٍ على مبادئها، واستعدادٍ للتضحية في سبيل عزتها وكرامتها. وما دام في اليمن رجالٌ يحملون الإيمان وراية السيادة والحرية، فلن يكون الحصار إلا مرحلةً عابرةً في سجل الصمود اليمني الخالد: {وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.




