الثلاثاء - 23 يونيو 2026

من المقابر الجماعية إلى مقابر المليارات.. بين دفن البشر أحياء الى دفن الأموال المنهوبة تحت الأرض..!

منذ 3 ساعات
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

ضياء أبو معارج الدراجي ||

 

 

 

إذا كانت المقابر الجماعية هي العنوان الأبرز لحقبة ما قبل عام 2003، فإن مقابر المليارات المدفونة والمحروقة والمخبأة تحت الأرض أصبحت العنوان الأبرز لما بعدها.

لقد عرف العراقيون الموت بأبشع صوره عندما امتلأت الصحارى والوديان والحفر بجثث الأبرياء الذين دفنوا أحياء أو قتلوا بلا ذنب سوى أنهم اختلفوا مع السلطة أو وقفوا بوجه الظلم والطغيان. كانت تلك المقابر شاهداً على حقبة سوداء من القمع والاستبداد والحروب العبثية التي أهدرت دماء العراقيين وثرواتهم ومستقبل أجيالهم.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا قدم لنا شريكنا في الوطن قبل عام 2003 وبعده غير الموت والجوع وإهدار الثروات؟
قبل عام 2003 كانت الأموال تُهدر في الحروب والمغامرات العسكرية التي انتهت بخراب البلاد وعزلتها وتجويع شعبها. وبعد عام 2003 تحولت المعركة إلى شكل آخر، فكانت موجات الإرهاب والقتل والتفجير ومحاولات إعادة عقارب الساعة إلى الوراء واستعادة السلطة بالقوة والدم، فدفع العراقيون آلاف الشهداء ومئات المليارات ثمناً لذلك الجنون.

ومع ذلك، لم ينتقم المنتصرون لأنفسهم كما فعل غيرهم عبر التاريخ، بل صبروا على الظلم الذي تعرضوا له لعقود طويلة، وعفوا عن كثير من القتلة، وفتحوا أبواب الدولة أمام الجميع، وشاركوا خصومهم في السلطة، ومنحوهم المناصب والوزارات والهيئات تحت شعارات الشراكة الوطنية والتوازن السياسي.

لكن ماذا كانت النتيجة؟
كانت النتيجة أن تحولت بعض المناصب إلى أدوات لنهب المال العام، وظهرت قصص لا تكاد تُصدق عن مليارات الدنانير والدولارات المدفونة تحت الأرض، أو المخزونة في المزارع والمخازن، أو المحروقة في التنانير وأفران الطين، أو المخبأة بين أكوام القش وأعلاف الحيوانات، وكأن ثروة العراق أصبحت غنيمة يتقاسمها الفاسدون بعيداً عن أعين الشعب.

المفارقة المؤلمة أن العراقي الفقير ما زال يبحث عن فرصة عمل أو راتب تقاعدي أو علاج لمرضه، بينما تُكتشف بين حين وآخر ثروات خيالية مخبأة في أماكن لا تخطر على بال أحد. الأموال التي كان يمكن أن تبني المدارس والمستشفيات والجامعات والمصانع وشبكات الكهرباء والماء تحولت إلى أكوام نقدية مدفونة تحت التراب.

لقد انتقل العراق من زمن دفن البشر في المقابر الجماعية إلى زمن دفن المليارات في المقابر المالية. الأول كان جريمة ضد الإنسان، والثاني جريمة ضد الوطن ومستقبل أجياله.

ولعل أخطر ما في الأمر أن دفن الأموال لا يقل خطراً عن دفن البشر؛ فالجثة المدفونة تقتل إنساناً واحداً، أما المليارات المدفونة فتقتل فرص الحياة لملايين البشر، وتعطل الاقتصاد، وتزيد الفقر، وتمنع التنمية، وتسرق مستقبل الأجيال القادمة.
إن العراق الذي صبر على الظلم، وتجاوز الجراح، ومد يده للشراكة الوطنية، يستحق اليوم وقفة صادقة لمحاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة، لأن الأوطان لا تبنى بالمجاملات، ولا تستقر بالتغاضي عن اللصوص، ولا تنهض بينما ثرواتها مدفونة تحت الأرض كما كانت تُدفن الضحايا في المقابر الجماعية.

لقد آن الأوان أن يُغلق العراقيون ملف المقابر بكل أشكالها؛ مقابر البشر ومقابر الأموال، وأن يكون القانون هو السيد على الجميع، وأن تعود ثروة العراق إلى أصحابها الحقيقيين: أبناء الشعب العراقي.

ضياء ابو معارج الدراجي