إصبع على الجرح.. المنطق في دنيا اللامنطق.. معادلة الحق..!
منهل عبد الأمير المرشدي ||

حين يصبح العقل مأسورا للإنقياد والنفاق فضيلة للخاصة قبل العامة والظلم رأيا قابلا للنقاش . حين يستلذ القوم بالذل والهوان الى حد الخنوع ونجد الغالب الأعم من المستثقفين والمتفلسفين يتمنطقون بالضد من المنطق حيث كان البدء في المنطق .
لم يكن المنطق مجرد قواعد جامدة ولا مصطلحات يتداولها الفلاسفة بل كان الفطرة الأولى التي أودعها الله في الإنسان ليهتدي بها وسط متاهات الحياة. المنطق هو ذلك النور الخفي الذي يجعل لكل سبب نتيجة ولكل فعل أثرا ولكل حق صاحبه . المنطق كما عرفناه وقرأناه هو علم الميزان الذي به توزن الأقوال والأفعال وتمحّص الحقائق من الأوهام ويفرّق بين الحقيقة وزيفها .
فالشمس لا تشرق من الغرب والظلم لا يصنع عدلا والكذب مهما تجمّل يبقى نذالة والكذابون أنذال . في المنطق لا تلد المقدمات الفاسدة غير نتائج فاسدة. المنطق يعني ببساطة أن يكون الحق معيارا لا تابعا للأهواء والمصالح .
لكن ماذا يحدث عندما ينكسر الميزان كما هو اليوم ؟ ماذا يحدث عندما يجد العقل نفسه منفيا في وطنه غريبا بين أهله متهما لمجرد أنه يفكر ؟ ماذا يحدث حين تُقلب المعايير حتى يصبح السير عكس التيار فضيلة يشاد بها ويصبح الوقوف مع الحقيقة جريمة تستوجب العقاب ؟ هنا تبدأ حكاية بلاءنا في عصرنا عصر اللامنطق .
زمن يعد فيه النفاق مهارة اجتماعية متقدمة ويُكافأ فيه المتلون على قدر تبدله ويُحتفى بالمنافق على قدر براعته في ارتداء الأقنعة . في دنيا اللامنطق لا يُسأل المرء عن الحق الذي يؤمن به والحقيقة التي يحملها بل عن الجهة التي تخدمها تلك الحقيقة.
فإن وافقت المصالح رُفعت إلى مرتبة الحكمة وإن خالفتها صنفت هرطقة تستحق الإقصاء . صرنا نرى الفاسدين والفاشلين يصنعون أمجادهم بزندقة ضجيج الإعلام بينما يُدفن أصحاب الكفاءة تحت ركام التجاهل وأصبح بعض الجهلة نجوما لأنهم يتملّقون أكثر بينما يُحاصر العقلاء لأنهم يناصرون الحق ويفكرون أكثر . في هذا الزمن أمسى الظالم يبحث عن منصة يشرح عليها منجزاته وأسبابه . لم يعد الفساد يتخفى في الظلام بل يمشي في وضح النهار مزهوا بأناقته محاطا بالمصفقين والمبررين .
لم يعد اللص يسرق المال العام فقط بل يسرق مفردات اللغة ويعيد تعريف الكلمات ويبدل معانيها حتى تصبح الخيانة براغماتية مشروعة والخنوع والتملق والتطبيل لأصنام الزعامات والجبن ذكاء وحكمة حفاظا على الاستقرار .
لقد بلغ بنا الأمر أن صار العقل نفسه موضع شبهة . فكل من يبحث عن الدليل يُتهم بالتعقيد وكل من يرفض العبودية لغير الله والانقياد الأعمى يُتهم بالتمرد والخروج عن الصف. إننا نعيش زمنا يُراد للعقل أن يرى ولا يبصر وأن يسمع ولا يفهم وأن يفكر ضمن الحدود المرسومة له مسبقا. ولكن التأريخ يعلمنا حقيقة أزلية فقد يربح اللامنطق جولة لكنه لا ينتصر في الحرب.
قد يرتفع الباطل فوق المنابر زمنا وينجح النفاق في حصد المكاسب ويبدو الظلم منتشيا بقوته لكن قوانين الكون أعمق من ضجيج اللحظة وأرسخ من نزوات البشر . الحق لا يستمد قوته من كثرة أتباعه بل من جوهره . والحقيقة لا تحتاج إلى التصفيق كي تبقى حقيقة . العقل لا يفقد قيمته لأن الجموع قررت تجاهله . إن أعظم مقاومة في زمن اللامنطق هي أن تبقى منطقيا. أن تتمسك بالحق حين يصبح مكلفا . أن تقول الصدق حين يصبح نادرا .
أن ترفض النفاق حين يصبح لغة العصر . أن تحافظ على استقلال عقلك وسط جيوش الخانعين . المعركة الحقيقية في عصرنا ليست بين أشخاص أو جماعات بل بين مبدأين متناقضين , بين منطق يحاول أن يحفظ توازن الإنسان وكرامته ولا منطق يسعى إلى تحويل الفوضى إلى نظام والنفاق إلى فضيلة والإنسان الى بهيمة . وفي نهاية المطاف سيبقى المنطق لأنه ابن الحقيقة. أما اللامنطق فمهما طال عمره ليس إلا ضجيجا مؤقتا في وجه قانونٍ أبديّ اسمه الحق.




