الثلاثاء - 23 يونيو 2026

محاربة الفساد بين التعميم والاستهداف السياسي..!

منذ 3 ساعات
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

هادي خيري الكريني ||
كاتب مختص بالاحصاء والمال والسياسة والاقتصاد 23/6/2026 الثلاثاء

 

 

«وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى» (المائدة: 8).
وإن تعجب اراك الدهر عجبا!

منذ أن انكشفت بعض ملفات السرقة وعمليات نهب المال العام، وهي في الحقيقة ليست سوى قطرة من بحر، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بحملات هجوم واسعة، حتى بات البعض يحمّل المكوّن الأكبر مسؤولية كل ما جرى ويجري، ويلصق به كل تهمة وفساد دون تمييز أو إنصاف.

وللتوضيح، فليس المقصود هنا الدفاع عن أحد أو الانطلاق من منطلقات طائفية، فالفاسد يبقى فاسداً مهما كان انتماؤه، والفساد لا دين له ولا مذهب ولا قومية. لكن الظلم في التعميم لا يقل خطورة عن الفساد نفسه.

صحيح أن بعض الأسماء التي تصدرت المشهد متورطة في قضايا كبيرة، وأن ما كُشف عنه حتى الآن خطير ومؤلم، إلا أن تصوير الأمر وكأن جهة واحدة هي المسؤولة عن كل ما حدث فيه تجاهل للواقع، لأن شبكات الفساد غالباً ما تكون متداخلة ومتعددة الأطراف والمصالح.

ما يجري اليوم يشبه الصيد في المياه الضحلة، فما زالت الضربات تستهدف المستويات الدنيا أو الوسطى، بينما لم تصل بعد إلى الرؤوس الكبيرة التي أدارت أو سهّلت أو غطّت كثيراً من ملفات الهدر والفساد. وإذا استمرت حملات الكشف والمحاسبة بالوتيرة نفسها، فقد نشهد خلال الفترة المقبلة سقوط المزيد من الأسماء والجهات المتورطة.

إن المعركة الحقيقية ليست ضد مكوّن أو طائفة أو حزب بعينه، بل ضد الفساد نفسه، أياً كان مرتكبه. فالعدالة تقتضي أن يُحاسَب السارق لأنه سارق، لا بسبب انتمائه، وأن تُسترد أموال الشعب من جميع المتورطين دون استثناء أو انتقائية.

قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا» (النساء: 58)، وقال سبحانه: «وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ» (البقرة: 188).

فمكافحة الفساد لا تنجح بالتشهير والتعميم، بل بالعدالة وكشف الحقائق ومحاسبة كل من امتدت يده إلى المال العام، مهما كان موقعه أو نفوذه أو انتماؤه.