الثلاثاء - 23 يونيو 2026
منذ ساعتين
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

🚩نهضة الحسين (ع) مواقف وقِيَم

✋ “اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَوْلادِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَصْحابِ الْحُسَيْنِ”

لم تكن نهضة الحسين (ع) مجرَّد واقعة تاريخية انتهت باستشهاد الإمام وأهل بيته وصحبه في كربلاء، ولا مجرد ثورة هدفت إلى إسقاط حكم يزيد الطاغية، بل كانت في جوهرها نهضة تهدف إلى إعادة صياغة الشخصية الإسلامية التي فتك بها النهج الأموي، حيث أراد أن يصنع شخصية إسلامية مائعة، ظاهرها إسلامي ولكن مضمونها جاهلي قبلي، يقدِّس قيَم الجاهلية الأولى.

إن أعظم ما أنجزته النهضة الحسينية أنها هدفت إلى صناعة الإنسان المؤمن الذي يصطبغ بصبغة الإسلام، ويقدِّس قيَمَه السامية، الإنسان الرسالي الربّاني الذي يحمل رسالة الإسلام ويعيش على هديها، يقدم أمر الله على كل أمر، فيصبح جديرًا بحمل أمانة الاستخلاف في الأرض.

أول ما يتعلّمه الإنسان في مدرسة النهضة الحسينية أن حياته ليست ملكًا له، وإنما هي أمانة عند الله، بحيث يصبح السؤال الدائم الذي يراود ذهنه: “ماذا يريد الله مني؟”، وعندما يحدَّد تكليفه ينطلق إليه غير عابئ بالأثمان التي يتطلّبها أداؤه لواجبه، وهذا يحول بين المؤمن وبين أن يستعبده هواه، ليصبح عبدًا لله تعالى، مما يجعله إنسانًا رساليًا يتجاوز اعتباراته الشخصية ليصبح همه الأوحد هو القيام بما هو مسؤول عنه بين يدي الله.

ويتعلم من نهضة الحسين (ع) أن يكون فاديًا يفدي الدين والعرض والأرض، والفداء من أعظم القيم التي نادت بها النهضة المباركة، ولا يعني أن يزهد الإنسان في الحياة، ولا أن يطلب الموت كيفما كان، أو يفدي بنفسه أي شيء، بل يعني أن يكون مستعدًا لأن يفدي ما هو أعظم وأهم، ويتجلّى ذلك في الكثير من الصور، فقد يضحّي الإنسان بماله من أجل دينه، أو براحته من أجل أسرته، أو أمته، أو بنفسه من أجل المشروع الإلهي الذي يؤمن به، وعندما يفدي إمامه أو قائده فهو في الحقيقة يفدي دينه، أو مشروعه، لأن الدين من دون إمام لا يُحفَظ ولا يُصان.

وقد تجلَّى الفداء في كربلاء بأروع صوره، فقد رأينا كيف كان الأصحاب يتسابقون إلى الفداء للحسين (ع) باعتباره إمام الدين وحجة الله على العالمين، ورأينا كيف فدى الحسين (ع) الدين بنفسه حتى غدا وأهل بيته وأصحابه النموذج الأهم في ذلك.

وإذا كان الفداء هو بذل النفس دون الأهم والأعظم مكانة ودورًا، فإن الإيثار، وهو تقديم الآخرين على النفس، من القيم المهمة التي يتعلمها الإنسان من نهضة الحسين (ع)، وقد تجسَّد هذا في كربلاء بأروع صوره، فهذا أبو الفضل العباس بن علي يصل إلى الماء، وهو في أمس الحاجة إليه، فقد استبد به العطش، لكنه يتذكّر عطش الحسين (ع) والأطفال والنساء فيلقيه من يده ويبقى عطشانًا، وأما أصحاب الحسين (ع)، فقد كانوا يتسابقون إلى الموت بين يديه وكل يؤثِر صاحبه.

ونحن أحوج ما نكون اليوم إلى الإيثار، لأننا في زمن ينحو فيه الإنسان إلى الفردانية والأنانية، وعزَّزت ذلك لديه الثقافة الغربية القائمة على أصالة الفرد، والتي تبني الإنسان على تأليه أهوائه، والاهتمام الأوحد بذاته، مِمّا يؤدي إلى التفكك الأسري والعائلي والمجتمعي، وينذر بضمور الحضارة الغربية المادية، لأن الحضارات لا يبنيها الأنانيون وإنما يبنيها المُؤْثِرون.

ويتعلم الإنسان من نهضة الحسين (ع) الإخلاص، وهو من أسمى الفضائل وأعلاها، ولا تقتصر آثاره على قبول الأعمال عند الله تعالى، بل تخلق في نفس المُخلِص طمأنينة قوية، -والطمأنينة من أهم حاجات الإنسان- فالمخلص بأعماله لا ينتظر شيئًا مِمّا سوى الله تعالى، إنما يعمل لوجه الله، وعلى الله ثوابه، والله هو الغني الذي ليس لعطائه حدٌ، أما الناس فلا يتطلَّع بعمله إلى ما عندهم، لا يريد منهم جزاءً ولا شكورًا، فإن حمدوه الناس وأثنوا عليه، سرَّه ذلك من دون شك، ولكنه يأتيه دون ثمن منه، دون طلب فيكون في الحقيقة من ثواب الله له، وإن لم يمدحه الناس ويُثنوا عليه لم يترك في نفسه أدنى أثر سلبي، لأنه لم يتطلَّع إلى ثنائهم من أصل.

إن من أعظم ما امتازت به النهضة الحسينية أنها كانت خالصة لله، فلم تكن طلبًا لجاه، ولا سلطة، ولا ثروة، ولا مجد شخصي، ولا ثناء من الناس، بل كانت لله وفي الله.
✍ السيد بلال وهبي ||
فجر يوم الثلاثاء الواقع في: 23/6/2026 الساعة (04:07)