الجمعة - 19 يونيو 2026

القصة العاشرة من مجموعة المنبر بعنوان في كل عام جيل..!

منذ ساعتين
الجمعة - 19 يونيو 2026

جليل هاشم البكاء ||

 

 

 

في كل عام، وفي نفس الليالي التي تتشابه في الظاهر لكنها لا تتشابه في القلوب، كان هناك رجل يجلس قرب باب الحسينية.

لا يدخل أولاً.

ولا يخرج أولاً.

بل يبقى عند الحدّ الفاصل بين الداخل والخارج، كأنه يحرس شيئاً غير مرئي.

كان اسمه الشيخ عارف.

خطيباً تجاوز السبعين من عمره، حمل المنبر طوال حياته، ورأى بأم عينه أجيالاً تأتي وتذهب.

أطفالاً صاروا شباباً.

وشباباً صاروا خطباء.

وخطباء صاروا ذاكرة.

لكنه في كل ليلة عاشوراء، كان ينتظر شيئاً مختلفاً.

كان ينتظر الجيل الجديد.

لم يكن يرى المنبر خشبة مرتفعة فقط.

بل كان يراه نهراً.

كل عام يدخل إليه ماء جديد.

لكن النهر يبقى هو نفسه.

في إحدى الليالي، جلس بجانبه شاب صغير لا يتجاوز الخامسة عشرة.

يحمل دفتراً.

وعينين مليئتين بالأسئلة.

قال له الشاب:

شيخي … كيف أصبح خطيباً مثلك؟

ابتسم الشيخ عارف.

لم يجب بسرعة.

بل نظر إلى المنبر طويلاً.

ثم قال:

لا تبدأ من المنبر… ابدأ من الصمت الذي يسبقه.

استغرب الشاب.

فأكمل الشيخ:

المنبر ليس صوتاً فقط… بل مسؤولية كل من يجلس أمامه.

سكت قليلاً.

ثم أضاف:

كل من دخل هذا المكان صار جزءاً منه… حتى لو جلس في آخر الصف.

مرت السنوات.

والشيخ عارف كبر أكثر.

ضعفت خطواته.

لكن حضوره في المجلس لم يضعف أبداً.

كان يأتي مبكراً.

ويجلس في مكانه نفسه.

ويراقب الناس.

يرى وجوه الأطفال.

ويرى الشباب الذين يحاولون تقليد الخطباء.

ويرى البنات اللواتي ينشأن في مجالس النساء.

ويرى العمال الذين يأتون بعد يوم شاق.

وكان يبتسم بصمت.

لأنه يعرف أن المنبر لا يحتاج إلى حماية… بل إلى استمرار.

وفي عام من الأعوام، حدثت أشياء كثيرة في حياة الناس.

سفر.

فقدان.

حروب صغيرة في البيوت.

وتغيرات في الشوارع.

لكن المجلس بقي كما هو.

وفي ليلة السابع، صعد خطيب شاب إلى المنبر لأول مرة في حياته.

كان يرتجف.

يده ترتجف.

وصوته بالكاد يخرج.

كان ذلك الشاب نفسه الذي التقى الشيخ عارف قبل سنوات.

جلس الشيخ في الصف الأول.

ينظر إليه دون أن يرمش.

يرى نفسه فيه.

ويرى كل الخطوات التي مر بها المنبر عبر الأجيال.

بدأ الخطيب الشاب يتكلم.

تلعثم في البداية.

ثم استقام صوته.

ثم بدأ البكاء.

ثم بكى معه المجلس كله.

أما الشيخ عارف، فكان يبكي بصمت.

ليس حزناً.

بل شيئاً أقرب إلى الامتنان.

لأنه رأى الجيل الجديد لا يأتي كنسخة من القديم.

بل كامتداد له.

بعد انتهاء المجلس، اقترب الشاب منه وقال:

شيخي… هل نجحت؟

نظر إليه الشيخ طويلاً.

ثم قال:

أنت لم تنجح فقط… أنت أكملت الطريق.

وفي تلك الليلة، أدرك الشيخ عارف أن عمر المنبر لا يُقاس بعمر شخص واحد.

بل بعمر كل من مرّ عليه.

وبكل طفل جلس ذات يوم في الصف الأخير، ثم عاد يوماً ليقف في الأعلى.

وبكل خادم حمل الماء.

وبكل رادود رفع صوته.

وبكل مصور وثّق الدموع.

وبكل نحات صنع الخشب.

وبكل خباز أشعل النار.

وبكل كهربائي أضاء الطريق.

وبكل امرأة حفظت البيت والمجلس معاً.

وبكل جاسوس تاب، وبكل إنسان تغيّر.

كان يرى أن كل هؤلاء ليسوا شخصيات مختلفة… بل أجزاء من شيء واحد.

ومن هنا فهم معنى الاسم.

لم يكن المنير مجرد عنوان.

بل حقيقة تتكرر كل عام.

لأن النور لا يبقى في يد واحدة.

بل ينتقل.

وفي آخر مرة جلس فيها الشيخ عارف على باب الحسينية، لم يعد ينتظر الجيل الجديد.

لأنه أدرك أنه أصبح داخله بالفعل.

وأن المنبر لم يعد يحتاج من يراقبه من الخارج.

بل من يؤمن أنه يعيش فيه.

وفي تلك الليلة، حين خفت صوته لأول مرة، لم ينتهِ المجلس.

بل بدأ بصوت آخر.

صوت أصغر.

لكن أكثر استمراراً.

وهكذا اكتمل المنبر.

لا لأنه وصل إلى النهاية.

بل لأنه أثبت أنه لا نهاية له.

وبقي المنير… يضيء كل من يأتي بعده، دون أن يسأل عن اسمه، أو عمره، أو مكانه.

فقط يكفي أن يجلس أمامه… ليبدأ الضوء في العمل.