سلاح البيشمركة.. حين يتحول الحديد إلى ذاكرة شعبٍ وتاريخ نضال..!
حسن عبد الهادي العگيلي
كاتب وباحث في الشأن السياسي
hassanalisar@gmail.com

في خضم الجدل الذي أثاره تصريح السيد مسعود بارزاني بشأن سلاح البيشمركة، تبدو الحاجة ملحة للابتعاد عن القراءات الانفعالية والاقتراب من فهم أعمق للسياق التاريخي والوطني الذي يمنح هذا السلاح دلالاته الخاصة في الوعي الكردي والعراقي على حد سواء.
فالسلاح في المفهوم التقليدي ليس أكثر من أداة تُستخدم في الحرب أو الدفاع، لكن بعض الأسلحة تكتسب مع مرور الزمن قيمة معنوية تتجاوز مادتها المكونة لها، لتصبح شاهداً على مراحل من الصمود والتضحيات والبطولات.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم حديث بارزاني عن سلاح البيشمركة، إذ لا ينظر إليه قطاع واسع من أبناء الشعب الكردي باعتباره مجرد قطعة من الحديد، بل رمزاً لمسيرة طويلة من النضال والكفاح من أجل البقاء والكرامة والحقوق.
لقد شهد التاريخ العراقي الحديث عقوداً من الصراع المرير بين الحركة الكردية والحكومات المركزية المتعاقبة، وبلغت هذه المواجهة ذروتها خلال حقبة النظام السابق بقيادة صدام حسين، حيث تعرض الأكراد إلى حملات عسكرية وأمنية واسعة، كان أبرزها حملات الأنفال المأساوية والقصف الكيميائي الذي استهدف المدنيين الأبرياء، مخلفاً جراحاً عميقة ما زالت آثارها حاضرة في الذاكرة العراقية حتى اليوم.
ولذلك فإن الحديث عن سلاح البيشمركة لا يمكن فصله عن تلك التضحيات الجسام التي قدمها آلاف المقاتلين الذين حملوا السلاح دفاعاً عن شعبهم وأرضهم وهويتهم.
فهذا السلاح بالنسبة لهم ليس مجرد وسيلة للقتال، بل هو جزء من سردية تاريخية تشكلت عبر عقود من المقاومة والمعاناة والصبر.
ومن موقع الإنصاف التاريخي، لا بد من الاعتراف بأن الحركة الكردية كانت واحدة من أبرز القوى التي وقفت بوجه الاستبداد في العراق. فقد مثلت جبال كردستان لعقود طويلة ملاذاً للمعارضين العراقيين بمختلف انتماءاتهم السياسية والفكرية، وتحولت إلى مساحة أمل لكل من كان يبحث عن نافذة للخلاص من قبضة الدكتاتورية. وكثير من العراقيين، ومنهم كاتب هذه السطور، كانوا ينظرون إلى النضال الكردي باعتباره أحد أهم العوامل التي حافظت على جذوة المقاومة ضد الطغيان عندما كانت أبواب الوطن موصدة بوجه الأحرار.
لقد كانت كردستان بالنسبة لكثير من العراقيين بوابة للأمل في زمن اليأس، وملاذاً للمعارضين في زمن القمع، وعنواناً للصمود في زمن الانكسارات. ولهذا السبب ارتبطت صورة البيشمركة في الوعي العراقي لدى شرائح واسعة بمعاني الشجاعة والثبات والإصرار على مواجهة الاستبداد مهما بلغت كلفته.
وفي الوقت ذاته، فإن الحديث عن هذه الرمزية التاريخية لا يتعارض مع احترام الدستور العراقي ومؤسسات الدولة الاتحادية، بل على العكس تماماً.
فالدستور العراقي أقر وجود إقليم كردستان ومؤسساته الأمنية ضمن إطار الدولة العراقية الاتحادية، وهو ما يجعل معالجة هذا الملف بحاجة إلى حوار وطني مسؤول يوازن بين مقتضيات السيادة ووحدة الدولة من جهة، واحترام الخصوصيات الدستورية والتاريخية من جهة أخرى.
إن الأمم الحية لا تبنى على إنكار تاريخ مكوناتها، وإنما على الاعتراف المتبادل بتضحيات الجميع. فكما يعتز العراقيون بتجاربهم الوطنية المختلفة في مواجهة الإرهاب والاستبداد، يحق للأكراد أن يعتزوا بتاريخ البيشمركة وما قدمته من تضحيات جسيمة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الوطنية العراقية.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لسلاح البيشمركة لا تكمن في معدنه أو شكله أو قدرته العسكرية فحسب، بل فيما يحمله من رمزية تاريخية ارتبطت بدماء الشهداء وآلام الضحايا وأحلام أجيال كاملة ناضلت من أجل الحرية والكرامة.
فبعض الأسلحة تتحول مع الزمن إلى صفحات من التاريخ، وبعض التضحيات تتحول إلى ذاكرة أمة، وسلاح البيشمركة هو أحد تلك الرموز التي لا يمكن فهمها بعيداً عن تاريخ طويل من النضال ضد الاستبداد والتضحيات التي دفعت أثمانها أجيال متعاقبة من أبناء الشعب الكردي.




