الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

حين ظنّت فراخُ السياسة أنّها انتصرت على النسور..!

منذ 5 أشهر
الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

ضياء أبو معارج الدراجي ||

 

 

 

في السياسة العراقية، لا شيء يختصر مشهد هذه الأيام أكثر من تلك الحكاية البغدادية القديمة التي كان يرويها المطيرجية وهم يجلسون فوق السطوح، يراقبون أسراب الزاجل العائدة من السفر الطويل.

يُحكى أن مطيرجياً بغدادياً معروفاً بتربية حمام الزاجل عقد رهاناً مع أحد أصدقائه على سباق لفكّ الطيور من البصرة إلى بغداد، ومن يصل طيره أولاً يكون هو الفائز.

وكان صاحبنا يعرف طباع الحمام جيداً، فاختار ذكراً من أفضل ذكور الزاجل، لكنه لم يختره لقوته فقط، بل لأنه كان يحتضن البيض مع أنثاه داخل العش، ليكون لديه دافع أكبر للعودة سريعاً إلى بغداد.

انطلقت الطيور من البصرة، وبدأ السباق الطويل فوق الأهوار والأنهار والرياح الحارّة.

وبعد ساعات من الطيران المتعب، عاد ذكر الزاجل إلى عشه منهكاً، يلهث من التعب، يفتح جناحيه ويغلقهما، ويتمطّى من شدّة الإرهاق بعد رحلة شاقّة قطع فيها مئات الكيلومترات.

لكنه حين وصل، وجد أن البيض قد فقس، وأن فرخاً صغيراً خرج إلى الدنيا قبل ساعات فقط.

اقترب الأب المتعب من العش، وما إن أخذ يحرك جناحيه ليستريح، حتى رفع الفرخ الصغير رأسه وقال لأبيه متباهياً: “أبي… الطيران مو هيچ، الطيران هيچ!”

وأخذ الفرخ الصغير يحرك جناحيه اللحميين اللذين لم ينبت فيهما ريش بعد، وكأنه يعلّم أباه أصول الطيران!

فضحك طير الزاجل وقال كلمته المشهورة: “فرخ اليوم يريد يعلّمني الطيران!”

وهنا ينطبق المثل تماماً على ما جرى في البرلمان العراقي من مهزلة التصويت، وتحول المؤسسة التشريعية إلى مسرح عبثي لا يُحترم فيه عدد الأصوات، ولا إرادة النواب، ولا حتى السياقات الدستورية التي يتغنون بها صباح مساء.

فالذين لم يعرفوا معنى المعارضة، ولا تعب التجربة السياسية، ولا ثمن الدم الذي دفعه العراقيون خلال 60 عاماً، صاروا اليوم يعتلون المنصات ويتصرفون كأنهم أوصياء على الدولة، وعلى الشعب، وعلى النظام السياسي كله.

نواب وكتل وشخصيات لم تصنع تجربة، ولم تخض معركة حقيقية، لكنها تتحدث بلغة المنتصر الذي يريد أن يلقّن الجميع أصول الديمقراطية، بينما هي أول من يخرقها حين تتعارض مع مصالحه وصفقاته.

ما حدث تحت قبة البرلمان لم يكن تصويتاً طبيعياً، بل كان أقرب إلى عملية “فكّ حمام” سياسية، تُطلق فيها القرارات مسبقاً، ثم يُطلب من النواب أن يصفقوا فقط.

العدّ الحقيقي للأصوات اختفى، والإرادة الحقيقية ذابت داخل التوافقات والضغوط والصفقات الخارجية، حتى بات المواطن العراقي يشاهد جلسات البرلمان كما يشاهد مسرحية هزلية يعرف نهايتها قبل أن تبدأ.

والمفارقة المضحكة المبكية أن بعض الوجوه الجديدة، التي لم تتعلم بعد أبجديات العمل السياسي، أخذت تتحدث بلغة الأساتذة والمنظّرين، وكأنها هي من أسست العملية السياسية، وهي من كتبت الدستور، وهي من صنعت الدولة.

تماماً كفرخ الزاجل الذي لم يجفّ ريشه بعد، لكنه أراد أن يعلّم أباه الطيران.

السياسة ليست صراخاً على الشاشات، ولا استعراض عضلات داخل القبة البرلمانية، ولا رفع أصابع في جلسات مرتبكة.

السياسة خبرة، وتراكم، وفهم للدولة، ولموازين القوى، ولمعنى القرار الوطني.

أما أن يتحول البرلمان إلى ساحة يقرر فيها القليل مصير الجميع، ثم يخرج علينا من لم يختبروا شيئاً ليشرحوا لنا معنى الديمقراطية، فذلك هو المشهد العراقي المختصر بكل أسف.

لكن ما لا تدركه فراخ السياسة، وهي ترفرف اليوم فوق المنصات متوهمةً أنها انتصرت على النسور، أن السماء ليست دائماً آمنة، وأن الطيران الحقيقي لا يُقاس بضجيج الأجنحة داخل الأقفاص، بل بمن يصمد في العواصف حين تشتد الرياح.

فما بعد العيد لن يكون كما قبله، والأيام المقبلة كفيلة بأن تعلّم الجميع أن مخالب النسور لا ترحم فرائسها، وأن من يستهين بالطيور الجارحة لأنه لم يرَ انقضاضها بعد، سيكتشف متأخراً أن السماء لها أصحابها الحقيقيون.

وحين تبدأ المواجهة الحقيقية، سيدرك كثيرون أن الفرق كبير بين من تعلّم الطيران فوق أسطح السياسة، وبين من عاش عمره يحلّق في أعالي المعارك والأزمات والقرارات المصيرية.

واليوم يقف العراقي مثل ذلك الزاجل المتعب، عائداً من سنوات الحروب والحصار والمقابر الجماعية والدم والفساد والانقسام، فيجد أن فراخ السياسة الجديدة تريد أن تعلّمه معنى الوطن، ومعنى الحكم، ومعنى الديمقراطية.

والرباط يمكم.

ضياء أبو معارج الدراجي