من فلسفة الثورة إلى بناء الدولة..!
د. عبد المنعم درويش ||

بين الإمام الحسين عليه السلام والسيد الشهيد محمد باقر الصدر …..العراق بعد سقوط الطاغية .
اليوم هو التاسع من نيسان ، شهر نيسان الذي قارب اربعة أحداث ،
تاسيس البعث الفاشستي
ميلاد طاغية العصر
إعدام السيد الشهيد محمد باقر الصدر
وسقوط الطاغية.
كان يجب أن تكون هذه الأحداث المؤلمة محفورة بقلب وذاكرة أهل العراق ، وخصوصاً أولئك الذين كانوا تحت الاضطهاد والتعذيب والسجون والمشانق والتهجير والملاحقة والمراقبة ، لكننا وللأسف الشديد نجد أن هذا الشهر وخصوصاً اليوم التاسع منه ، يمر على هذا الشعب مرور الكرام ، وحتى وإن وجدت بعض نشاطات من هنا او هناك ، فهي فعاليات خجولة ، لا ترتقي إلى مستوى الحدث ، وهنا يطرح السؤال لماذا لم نجد صدى شعبي كبير لهذه الأحداث المؤلمة يوم مرور ذكراها ؟.
قبل الجواب دعني أذهب إلى التاريخ قليلاً ، ففي مرور العاشر من شهر محرم الحرام ، ذكرى استشهاد الحسين عليه السلام وأهل بيته وصحبه في واقعة الطف الأليمه
أو زيارة الإمام الحسين عليه السلام الأربعينية ، هذا الحدث التاريخي الكبير والمؤلم بقي يعيش في مشاعر الناس وعواطفهم ووجدانهم ، ونرى تفاعلهم معه يزداد كل عام حتى أصبح الأمر عالمياً بحيث تعدى حدود العراق وحتى حدود الإقليم ، وذلك بسبب أن تلك الثورة كانت خالصة لوجه الله تعالى ، ولخلاص الناس من الظلم والاضطهاد ، وكذلك التأسيس لتاريخ هذه الواقعة المؤلمة ، كان صادقاً ، بعيد عن الأطماع والمصالح ، وأن المؤسسين لها كانوا يشعرون أنهم أصحاب قضية وحملة المبدأ ، وأهل مظلومية ، لا يعوضها فتات الدنيا الزائلة ، وكانت ثورة الحسين للجميع فهي ملاذا للمظلوم ، ونبراسا للأحرار ، ومشعلا للثوار ، وميزان للعدل ، فكانت هي الذخيرة الحية على مدى التاريخ لكل ثائر .
ونعود للسؤال الذي طرحناه بداية المقال وهو :
لماذا لم نجد صدى شعبي عراقي كبير لهذه الأحداث المؤلمة (أحداث شهر نيسان انفة الذكر ) في ذكراها الثالث والعشرون ؟.
اغلب الذين خاضوا العمل السياسي ، واصبحوا فواعل في العملية السياسية بعد عام ٢٠٠٣م ، هم إن لم يكونوا من النخبة التي أعدها السيد الشهيد محمد باقر الصدر رضوان الله تعالى عليه ، فإن لم يكونوا منهم ، فهم على الأقل من المتأثرين في أفكاره ومبانيه ونظرياته التي وضعها على مستوى الاقتصاد والفلسفة ، وهو أيضاً الفقيه الأوحد الذي نظم صفوف النخبة في مشروع ، ودفعها لقيادة المجتمع دينياً وسياسياً ، وهو القائد الذي باشر العمل ميدانياً ، دون أن يلجأ إلى التقية ، وهو كان يدرك أن ما يقوم به رضوان الله عليه ، من تحدي للطغاة
سيكلفه حياته ، ومع ذلك لم يتوانى لحظة ، ولم يتراجع خطوة واحدة عن نهجه الثوري ، لكنه كان بذات الوقت يؤسس لبناء الدولة ويضع نظريات بناؤها ، وأن انموذج كتاب (الإسلام يقود الحياة) ، هو أصدق نموذجاً لبناء الدولة العصرية على يد السيد الشهيد ابو جعفر ، ناهيك عن كتبه الموسومة (فلسفتنا)و(إقتصادنا) ،( والبنك الا ربوي في الإسلام) ، ومن هنا نستطيع أن نعرف أن الفكر الثوري هو الذخيرة الحية للوقوف بوجه الظالم ، وعلى هذا أعتمد السيد الشهيد الصدر الأول في حركته الثورية ، لكنه كان يعتبرها مرحلة أولى تمهد للإنتقال للمرحلة الثانية ، وهي بناء الدولة ، لأن الإنتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء الدولة يجب أن يكون مخطط له مسبقاً ، ولا يجوز الانتقال فجأة ، ودون تخطيط ، لأن الإنتقال المفاجئ ، يسبب ارباكا للعمل ، ويخلق مشاكل تصل إلى حد التصادم الفكري ، وحتى الميداني ، على اعتبار أن بناء الدولة يجبرك على الخوض في عالم السياسة ، التي لها قواعد عمل تتقاطع مع القواعد الثورية ، لكن انتقالك إلى بناء الدولة وخوضك في عالم السياسة في نهج السيد الشهيد محمد باقر الصدر ، لا يعني أنك تتنازل عن المبادئ وألاخلاق ، بل عليك أن تسير متوازنا بينهما ، على أن يكون سلاحك العدالة الاجتماعية ، لأن العدالة الاجتماعية هنا ستكون بمثابة الأرضية الصلبة التي يقف عليها الحاكم ، والذي تساعده على الديمومة والبقاء على دست الحكم .
قبل عام ألفين وثلاثة ، كانت الأحزاب السياسية الشيعية العراقية تنتهج الثورية ، وكانت ذخيرتها المظلومية ، وشعارها العدالة الاجتماعية ، ونشيدها هو (باقر الصدر منا سلاما….) ، وبعد أن صار الحكم إليها ، بدأت تتخلص من الحالة الثورية ، لا لتنتقل إلى مرحلة بناء الدولة ، والعدالة الاجتماعية ، لا ، بل انتقلت لبناء الامبراطوريات المالية الضخمة والاستحواذ على المال العام ، وامتلاك قصور ضخمة مع الخدم والحشم ، والسيارات الفارهة ، وبدل من أن يتبعوا نظريات بناء الدولة عند محمد باقر الصدر ، ذهبوا لنهج سلوك عبد الرحمن بن عوف وسلوك الزبير ، وعثمان ومروان ، في قضم مال الدولة قضما ، وآخرين منهم ذهبوا إلى نهج سلوكيات مقرفة ، لا أريد الخوض بها احتراماً للقارئ،واعتمدت المحسوبية ، والمنسوبية، وتخلت عن أهم واجباتها التي يجب أن تقوم بها للحفاظ على ديمومة حاكميتها مثل العدالة الاجتماعية، والتنشئة السياسية والإجتماعية ، والاهتمام بالفعاليات الشعبية وتنظيمها ، بحسب تواريخها على تقويم البلاد ، وهذه هي الطامة الكبرى ، التي يعيشها العراق وشعبه بعد سقوط الطاغية ، وفي الختام سلام على الحسين الثائر
وسلام على الشهيد الصدر الزاهد
وسلام على العراق
سلام محب ، لا سلام مفارق .




