التقديس السياسي ليس مجرد انحراف سلوكي في الثقافة العامة، بل هو خلل بنيوي..!
د. حيدر البرزنجي ||

التقديس السياسي ليس مجرد انحراف سلوكي في الثقافة العامة، بل هو خلل بنيوي يصيب فكرة الدولة ذاتها. فعندما تُرفع الإرادة البشرية إلى مرتبة العصمة، تنتقل السلطة من كونها وظيفة دستورية إلى قدرٍ تاريخي، ومن كونها عقداً اجتماعياً إلى “تفويض مطلق”. وهنا تتحول السياسة من حقل للصراع المشروع بين الرؤى إلى مجال مغلق تُدار فيه الطاعة لا المصلحة العامة.
في النظم الطبيعية، الشرعية تُنتجها القوانين والمؤسسات والتوازنات. أما في النظم التي يسودها التقديس، فالشرعية تُختزل في الشخص، ويصبح النظام مرتهناً لصورته الرمزية أكثر من ارتكازه على قواعده الدستورية. عندها لا يكون الخطر في الخطأ السياسي ذاته، بل في استحالة الاعتراف به. لأن الاعتراف بالخطأ يعني خدش صورة “المقدّس”، وهذا ما لا تسمح به البنية الذهنية للنظام.
التقديس يعطّل آلية التداول السلمي للسلطة، ويحوّل الانتخابات إلى طقوس تجديد ولاء، ويُفرغ البرلمان من دوره الرقابي، ويجعل القضاء رهينة التوازنات السياسية. وحين تُختزل الدولة في الزعيم، فإن أي نقد له يُصوَّر على أنه اعتداء على الوطن نفسه. وهكذا تُستبدل الوطنية بالمبايعة، ويُستبدل الدستور بالرواية الرسمية.
تاريخ القرن العشرين يقدم أمثلة واضحة على كيف يتحول التقديس إلى بنية استبداد كاملة. في تجربة جوزيف ستالين داخل الاتحاد السوفيتي، لم تكن المشكلة في شخص الحاكم فقط، بل في منظومة كاملة صاغت وعياً جمعياً يرى في القائد مصدراً للحقيقة. وكذلك في عهد أدولف هتلر في ألمانيا، حيث تحولت الدولة إلى امتداد لإرادة فرد، فاختفى الفاصل بين السلطة والوطن، وبين القائد والقانون.
الأخطر أن التقديس لا يُنتج فقط استبداداً سياسياً، بل يُنتج شللاً استراتيجياً. فالأنظمة التي تُحاط بهالة قداسة تفقد القدرة على التكيّف مع المتغيرات، لأن المراجعة تعني تقويض الصورة، والصورة أهم من الحقيقة. وعندما تتغير الظروف الإقليمية أو الاقتصادية، يجد النظام نفسه عاجزاً عن الاعتراف بالحاجة إلى الإصلاح، فيتآكل من الداخل.
سياسياً، يمكن القول إن التقديس هو نقيض الدولة الحديثة. فالدولة الحديثة تقوم على فصل السلطات، وعلى مبدأ أن كل قرار قابل للمساءلة، وكل مسؤول خاضع للمحاسبة. أما حين يصبح المسؤول “فوق النقد”، فإننا نعود إلى منطق السلطنة لا الجمهورية، وإلى منطق العصمة لا الدستور.
الأنظمة الواثقة لا تحتاج إلى تقديس، لأنها تستمد قوتها من مؤسساتها. أما الأنظمة القلقة، فتلجأ إلى صناعة الرمزية المطلقة كبديل عن الشرعية المتجددة. ولهذا فإن أخطر تهديد لأي نظام سياسي ليس المعارضة المنظمة، بل البيئة التي تمنع النقد وتخلط بين الولاء والقداسة.
فالدولة التي تُقدَّس فيها السلطة، تتآكل فيها السياسة. وعندما تُغلق أبواب المراجعة، لا يسقط النظام بفعل خصومه، بل بفعل عجزه عن رؤية أخطائه في المرآة.




