الأربعاء - 24 يونيو 2026

هل تكفي “لنكلون”؟ أميركا تُلوّح بالحاملة… وطهران تُجيب بمعادلة الردع..!

منذ 5 أشهر
الأربعاء - 24 يونيو 2026

أمين السكافي ||


في لحظةٍ تتكاثف فيها طبول التهديد فوق مياه الخليج، وتُعاد صياغة الرسائل بالنار لا بالكلمات، تخرج حاملة الطائرات الأميركية “أبراهام لنكلون” كأنها عنوانٌ مختصر لهيبة واشنطن التي تحاول استعادة قدرتها على الإملاء. غير أن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع “لنكلون” الاقتراب؟ بل: هل تكفي “لنكلون”—بل هل تكفي الأساطيل الأميركية مجتمعة—لإجبار طهران على الانحناء أمام الشروط الأميركية؟

الولايات المتحدة، في جوهر سياستها الخارجية، لا تزال تُدير الملفات بمنطق السوق: سياسةٌ تُدار بالكذب الناعم حيناً وبالتهديد الخشن حيناً آخر، تفاوضٌ تحت السقف وابتزازٌ فوق الطاولة. وحين تتحدث واشنطن عن “الاستقرار” و”ضمان الأمن”، فهي عملياً تريد من طهران ثلاثة مطالب واضحة تُقدَّم على أنها شروط “غير قابلة للتفاوض”، فيما تراها إيران محاولة مصادرة لسيادتها:

أولاً: وقف تخصيب اليورانيوم عند مستويات تُعيد البرنامج النووي سنواتٍ إلى الوراء، مع قبول رقابةٍ قاسية وتفتيشٍ موسّع لا يقتصر على المنشآت النووية فقط.
ثانياً: تقليص برنامج الصواريخ الباليستية والمسيّرات، أي نزع الذراع الردعية التي تعتبرها طهران ضمانة بقائها في وجه أي عدوان.
ثالثاً: فكّ الارتباط بمحور المقاومة في الإقليم—من لبنان إلى فلسطين إلى اليمن والعراق—باعتبار أن النفوذ الإيراني، وفق الرؤية الأميركية، هو أصل “الاضطراب” في المنطقة.

هذه ليست مطالب تفاوضية بقدر ما هي محاولة لإعادة إنتاج الشرق الأوسط على مقاس القواعد الأميركية وأمن الكيان الإسرائيلي. إنها شروط تريد واشنطن بها تحويل إيران من دولة “مستقلة القرار” إلى دولة “مضبوطة السلوك”.

لكن طهران، التي خبرت دهاليز الدبلوماسية الطويلة، لا تتعامل بمنطق السوق وحده. هي قد تناور، قد تساوم في التفاصيل، لكنها—وفق سرديتها السياسية—لا تساوم على الموقف: شرف القرار، سيادة الدولة، ورفض أن تكون ورقة في بورصة البيت الأبيض. لذلك تبدو الحاملة “لنكلون” في نظر الإيرانيين مجرد أداة ضغط نفسي أكثر منها أداة حسم. فالحسم، في معادلات اليوم، لم يعد بحاملة واحدة ولا بعشر حاملات، بل بمن يمتلك الإرادة على الصمود وإدارة الاشتباك الطويل.

ثم جاءت المناورات بالذخيرة الحية بين الثلاثي الأخطر بالنسبة لأميركا: الصين وروسيا وإيران. ليست مناورة عسكرية عابرة، بل رسالة مكتوبة بلغة الحديد: إنّ العالم لم يعد ساحة أميركية مفتوحة. هذه المناورات، بما تحمله من رمزية الرد والردع، تعني أن أي محاولة لخنق إيران أو جرّ المنطقة إلى مواجهة واسعة لن تبقى شأناً أميركياً—إسرائيلياً داخلياً، بل ستُقرأ كتهديد لتوازنات دولية أكبر.

هنا تحديداً يبرز ارتباك واشنطن والكيان: كيف يردّان على مناورةٍ لا تُطلق صاروخاً نحو قواعدهما، لكنها تضع خطوطاً حمراء غير معلنة؟ الردّ الأميركي غالباً سيكون تصعيداً إعلامياً ورفعاً للجاهزية وتحريكاً للقوات، مع محاولة إحياء التحالفات الإقليمية تحت عنوان “حماية الملاحة”. أما الكيان فسيحاول الاستثمار في فزاعة إيران لإقناع الغرب بأن أمنه مهدد، وأن أي تنازل لطهران هو تهديد مباشر لتل أبيب.

لكن ما تغيّر فعلاً هو أن روسيا والصين—وفق المؤشرات—لن تقبلا بتكرار تجربة فنزويلا: بلدٌ صديق لمحور موسكو–بكين يُحاصر ويُنهك ثم يُترك وحيداً تحت العقوبات والحروب الناعمة. في الخليج، الرسالة أكثر حساسية: أي محاولة لكسر إيران قد تعني ضرب خطوط الطاقة والتجارة الدولية، أي اللعب في قلب الاقتصاد العالمي.

إلى أين انتهت بورصة السياسة والحرب بعد هذه الأحداث المتسارعة؟ إلى نتيجة واحدة: واشنطن تملك القوة، لكنها لم تعد تملك وحدها قرار استخدامها. وطهران قد تكون محاصرة، لكنها ليست معزولة. في هذا المشهد، حاملة “لنكلون” ليست عنوان النصر، بل عنوان المأزق: قوة ضخمة تبحث عن نتيجة سياسية… في زمنٍ لم تعد فيه السياسة تُشترى من على ظهر السفن.