الاثنين - 22 يونيو 2026
منذ 5 أشهر
الاثنين - 22 يونيو 2026

✍️نزار الحبيب ١٩/١/٢٠٢٦

لم تعد الحروب اليوم دباباتٍ تعبر الحدود ولا جيوشًا تصطف على الخرائط كما في كتب التاريخ. نحن أمام صراع إمبراطوريات يُدار بعقول باردة، وأدوات معقّدة، ومضائق بحرية تختصر مصائر دول، وثروات تعيد رسم العالم من جديد. ما يجري ليس فوضى، بل إعادة ترتيب قاسية لنظام دولي يلفظ أنفاسه الأخيرة.

من فنزويلا… بداية الانكشاف الأميركي
فنزويلا كانت اختبارًا مبكرًا لانحدار الهيمنة الأميركية. نفط هائل، موقع استراتيجي، ومع ذلك فشلت واشنطن في كسر الدولة أو إخضاعها. العقوبات لم تُسقط النظام، والانقلابات الناعمة لم تنجح، والاستثمار الغربي انسحب. هناك، بدأت صورة “العملاق القادر على كل شيء” بالتشقق، وظهر عجز التلفيق الإعلامي الأميركي عن تغطية الفشل الواقعي.

روسيا وأوكرانيا: الحرب التي كسرت الغرب
الحرب الأوكرانية لم تكن معركة حدود، بل معركة نظام عالمي. الغرب راهن على إنهاك روسيا، فإذا به يستنزف نفسه. اقتصاد أوروبي يتآكل، طاقة مفقودة، صناعات تتراجع، ومجتمعات بدأت تسأل: لماذا ندفع ثمن حرب ليست حربنا؟
روسيا لم تُهزم، بل أعادت تعريف الصراع: صبر استراتيجي، اقتصاد حرب، وتحوّل شرقًا وجنوبًا. أما الغرب، فتكشّف ضعفه عندما اصطدم بالواقع لا بالشعارات.

الفشل الأوروبي الغربي: التابع الذي دفع الثمن
أوروبا اكتشفت متأخرة أنها ليست لاعبًا بل ساحة. قراراتها مرهونة، واقتصادها مربوط بالطاقة، وأمنها مستعار. الحرب في أوكرانيا لم تعزز استقلالها، بل عرّت هشاشتها. الاتحاد الأوروبي اليوم أقل تماسكًا، وأكثر قلقًا، وأبعد ما يكون عن قيادة العالم.

الصين: الاقتصاد كقوة ردع

في الجهة المقابلة، صعدت الصين بهدوء. لا ضجيج، لا حروب مباشرة، بل اقتصاد، سلاسل إمداد، تحالفات، ومشاريع عابرة للقارات. بكين فهمت أن من يسيطر على التجارة، يفرض الإيقاع على السياسة. تحالفاتها ليست أيديولوجية بل مصلحية، وهذا سر قوتها.
الصين لا تحتاج لإطلاق رصاصة لتغيير موازين القوى، يكفيها أن تغيّر اتجاه الأسواق.

إيران: قوة الردع التي غيّرت قواعد الاشتباك

إيران تمثل نموذجًا مختلفًا: دولة تحت حصار طويل، لكنها بنت قوة ردع حقيقية. لم تعد تُستهدف كما في السابق، ولم تعد التهديدات كافية لكسرها. هي لاعب إقليمي يفرض حساباته، ويعرف متى يصعّد ومتى يمتص الضربات.
الرسالة واضحة: من يملك الردع، يملك حق البقاء.

إسرائيل: توسّع على حساب العرب وصمت استراتيجي

في ظل هذا الاضطراب، توسّعت إسرائيل سياسيًا وأمنيًا، مستفيدة من الانقسام العربي، والانشغال الإقليمي، والتطبيع الذي قُدّم بلا ثمن. مشروعها لا يتوقف عند حدود، بل يتحرك مع ضعف محيطه.
الخطير ليس قوة إسرائيل بحد ذاتها، بل الفراغ العربي الذي سمح لها بالتوسع بلا كلفة.

سوريا وطموحات ترامب: العودة عبر الفوضى

الطموح الأميركي، وخصوصًا الترامبي، لم ينتهِ في سوريا. هو مؤجل، ينتظر فرصة. سوريا بالنسبة لهم عقدة جغرافية بين روسيا وإيران وشرق المتوسط. أي عودة أميركية ستكون عبر الفوضى، لا عبر الاستقرار.
لكن الواقع تغيّر: سوريا لم تعد ساحة مفتوحة كما كانت، والتدخل لم يعد بلا ثمن.

النتيجة :
العالم يتغيّر… والإعلام يكذب
ما نراه في الإعلام لا يشبه ما يُخطط في الغرف المغلقة، وما يُرسم على الورق لا يصمد أمام اختبار الميدان. العالم يتجه إلى تعدد أقطاب قاسٍ، بلا رحمة، بلا شعارات أخلاقية.
من لا يفهم هذا التحول، سيُسحق. ومن يصدق الرواية الإعلامية، سيفاجأ بالنتائج.
الحروب القادمة ليست حروب جيوش فقط، بل حروب اقتصاد، طاقة، ممرات، ووعي.
والسؤال الحقيقي: من يقرأ الواقع… ومن ما زال يعيش في الوهم