الثلاثاء - 23 يونيو 2026

من الوصاية إلى الشراكة: ماذا تعني زيارة غوتيريش للعراق وإنهاء عمل يونامي؟

منذ 6 أشهر
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

مجيد الكفائي ||


لم تكن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى العراق زيارة بروتوكولية عابرة، بل حملت في طياتها دلالات سياسية وسيادية عميقة، خصوصًا مع اقترانها بملف إنهاء عمل بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، بعد أكثر من عقدين على وجودها. إنها لحظة فاصلة يمكن توصيفها بالانتقال من مرحلة “الوصاية الدولية” إلى مرحلة “الشراكة الندية”.

تأسست بعثة يونامي عام 2003 في ظل ظروف استثنائية رافقت سقوط النظام السابق ودخول العراق مرحلة معقدة من الاضطراب السياسي والأمني. يومها، كان وجود الأمم المتحدة مبررًا بحاجات تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة، ودعم العملية السياسية، ومراقبة حقوق الإنسان، وتنسيق المساعدات الإنسانية. غير أن هذه المبررات، رغم مشروعيتها في حينها، لم تكن قابلة للاستدامة إلى ما لا نهاية.

اليوم، وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا، تغيّر المشهد العراقي بشكل جوهري.

فالعراق يمتلك مؤسسات دستورية قائمة، وتجربة انتخابية متراكمة، وأجهزة أمنية قادرة على حفظ الاستقرار الداخلي، إضافة إلى علاقات إقليمية ودولية متوازنة. وبالتالي، فإن استمرار بعثة ذات طابع إشرافي بات يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه انتقاصًا غير مبرر من السيادة، أكثر منه دعمًا تقنيًا أو سياسيًا.
من هذا المنطلق، تأتي زيارة غوتيريش لتؤكد اعتراف الأمم المتحدة بأن العراق لم يعد “حالة استثنائية” تحتاج إلى إدارة دولية، بل دولة عضو كاملة الأهلية في المنظومة الدولية، قادرة على إدارة شؤونها والتعاون مع المجتمع الدولي من موقع الشراكة لا الوصاية.

إنه تحول في اللغة والمقاربة، يعكس تغيرًا في النظرة الدولية للعراق، وليس مجرد إجراء إداري بإنهاء مهمة بعثة أممية.

إن إنهاء عمل يونامي لا يعني انسحاب الأمم المتحدة من العراق، بل إعادة تعريف العلاقة.

فالشراكة المستقبلية يمكن أن تتجسد عبر برامج تنموية متخصصة، ودعم فني في مجالات محددة بطلب من الحكومة العراقية، بعيدًا عن أي أدوار سياسية أو رقابية تتجاوز الإرادة الوطنية. وهذا النموذج هو السائد في الدول المستقرة، وليس استثناءً للعراق.

في المقابل، تضع هذه المرحلة الجديدة مسؤوليات أكبر على عاتق الدولة العراقية. فغياب الغطاء الأممي يعني أن معالجة الملفات الخلافية، السياسية والحقوقية والإدارية، ستصبح شأنًا داخليًا خالصًا، لا مجال فيه لإلقاء اللوم على “التقارير الدولية” أو “الضغوط الخارجية”.

وهذا بحد ذاته اختبار حقيقي لنضج التجربة السياسية وقدرتها على إدارة التنوع وحماية الحقوق ضمن الإطار الدستوري.

ختامًا، يمكن القول إن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة وإنهاء عمل يونامي تمثلان رسالة مزدوجة: ثقة دولية متجددة بالعراق، ودعوة داخلية لتحمل المسؤولية الكاملة.

إنها لحظة انتقال من زمن الرعاية الدولية إلى زمن الشراكة، ومن خطاب الحاجة إلى خطاب السيادة.

ويبقى التحدي الأكبر هو أن يحسن العراق استثمار هذه اللحظة التاريخية، ليؤكد أن خروجه من الوصاية لم يكن مجرد قرار دولي، بل استحقاقًا وطنيًا ناضجًا