قراءة سريعة في المنهج التربوي عند الشهيد مرتضى المطهري (رضوان الله عليه)..!
كاظم سلمان ابورغيف ||

يُعدّ الشهيد العلامة مرتضى المطهري واحداً من أبرز المفكرين الإسلاميين في العصر الحديث، وقد تميزت كتاباته – ولا سيما التربوية منها – بعمقٍ معرفي، ورؤيةٍ إنسانية، ومنهجٍ بنائي يستهدف تكوين الإنسان المسلم الواعي، المنفتح، والملتزم بجوهر الدين. وعند قراءة مقدمات مؤلفاته، وما كُتب حول فكره من قبل تلامذته والباحثين والناشرين، تتكشف ملامح منهج تربوي متكامل يمتد من تربية الفرد إلى إحياء الوعي الاجتماعي.
أولاً: مركزية الإنسان في الفكر التربوي للمطهري
يضع المطهري الإنسان محوراً لكل مشروعه الفكري. في مقدمات كتبه كـ التعليم والتربية في الإسلام و مسألة الحجاب و الإنسان الكامل، نراه يصرّح بأن جوهر رسالة الأنبياء هو «صناعة الإنسان». وهذا المنطلق هو الأساس الذي تُبنى عليه منظومته التربوية.
وفق هذا الفهم:
التربية ليست عملية تعليمية فحسب، بل صناعة روحية وعقلية وأخلاقية.
الغاية ليست المعرفة المجردة، بل صياغة شخصية قادرة على حمل مسؤوليتها العقائدية والاجتماعية.
الإنسان قابل للتكامل، والتكامل لا يتم إلا عبر تنمية متوازنة بين العقل والوجدان والسلوك.
ثانياً: التربية بوصفها مشروعاً للوعي واليقظة
يُلحّ المطهري في مقدمات الكثير من كتبه على أن مشكلات الأمة ليست مشكلات عقائد فحسب، بل مشكلات في الوعي الاجتماعي. لذلك يدمج التربية باليقظة الفكرية، ويعتبر أن:
1. الجمود الديني آفةٌ تربوية قبل أن يكون مشكلة فقهية.
2. الخرافة خصم للتربية لأنها تعطل العقل.
3. التقليد الأعمى يقتل روح الاجتهاد التي يريد الإسلام بناءها.
وفي مقدمات كتبه – خصوصاً تلك المتعلقة بالقضايا المعاصرة – يشدد على ضرورة:
تحرير العقول من الإسقاطات التاريخية.
تربية الإنسان المسلم على النقد البنّاء.
تأسيس ثقافة سؤال لا ثقافة تلقين.
في هذا السياق، نراه يطرح منهج “الوعي الديني المتحرك” ليجعل التربية عملية إنتاج معرفي وليست استهل
ثالثاً: التربية الأخلاقية – محور جوهري في مشروعه
تتكرر في كتب المطهري فكرة أن الأخلاق ليست “زينة” ولا “مواعظ”، بل هي الإطار الذي تنتظم فيه حركة الإنسان نحو الكمال. لذلك يركز على:
تهذيب النفس لا قمعها.
تربية الضمير قبل السلوك.
ربط الأخلاق بالمعرفة: «لا خلق بلا وعي».
إبراز العلاقة بين الأخلاق والحرية، فالأخلاق عنده لا تقوم على الجبر، بل على الاختيار.
في مقدمات كتبه الأخلاقية، مثل الإنسان الكامل أو محاضرات الأخلاق، يكرر أن التربية الأخلاقية ليست تلقيناً نظرياً، بل تجربة وجودية يعيشها الإنسان في أعماقه.
رابعاً: التربية الدينية… فهم وتطبيق لا طقوس
يرى المطهري أن الانحراف التربوي يبدأ حين تتحول العلاقة مع الدين إلى علاقة طقوسية لا معرفية. لذلك يعتبر أن وظيفة التربية الدينية:
تقديم الدين بوصفه منهج حياة لا مجموعة أحكام معزولة.
عرض العقيدة بطريقة عقلية استدلالية.
تحويل المفاهيم الدينية إلى قوة دافعة في حياة الفرد.
وهذا المنهج يظهر جلياً في مقدمات كتبه التي ينتقد فيها الأسلوب الوعظي الجاف، مؤكداً أن التربية الدينية يجب أن تكون:
1. مقنعة عقلياً
2. مؤثرة وجدانياً
3. واقعية في التطبيق
خامساً: المنهج التربوي النقدي – قراءة الواقع وتفكيكه
أحد أهم ملامح منهج الشهيد المطهري هو النقد البنّاء. فقد كان يرفض التلقين، ويدعو إلى تفكيك المفاهيم ومساءلتها، وهو ما يبرزه بنفسه في مقدمات كتبه التي غالباً ما يشرح فيها الأسباب التي دعته لكتابة هذا الكتاب:
– إما تصحيح فهم موروث
– أو مواجهة انحراف فكري
– أو إحياء قيمة مهمّشة
هذا المنهج جعل كتبه مصادر تربوية في:
منهج التفكير العقلاني
تحليل الظواهر الاجتماعية
كشف جذور الانحرافات الفكرية
ولذلك، فالمنهج التربوي عنده ليس «نصائح»، بل تمرين مستمر على التفكير الصحيح
سادساً: التوازن بين الأصالة والمعاصرة
من قراءة مقدمات مؤلفاته يتضح أنه كان يرى أن مشكلة التربية في العالم الإسلامي ليست نقصاً في النصوص، بل غياب المنهج الصحيح لقراءتها. لذلك وضع رؤية تقوم على:
الأصالة النصّية: العودة للقرآن والسنة والتراث العقلاني.
المعاصرة الفكرية: فهم العصر وتحدياته وتحليل قضاياه.
الانفتاح النقدي على العلوم الإنسانية دون تبنٍّ أعمى.
وبهذا أعاد صياغة التربية الإسلامية في إطار حيوي وفعّال بعيد عن الجمود
سابعاً: التربية الاجتماعية – الإنسان في المجتمع
يركز المطهري على أن بناء الفرد لا ينفصل عن بناء المجتمع. لذلك تُعدّ التربية عنده:
مشروعاً لنهضة الأمة.
آلية لمواجهة الاستبداد الفكري والسياسي.
وسيلة لبناء مجتمع قائم على العدالة والكرامة وحرية الفكر.
وفي مقدمات بعض كتبه الاجتماعية، تظهر رؤيته بأن التربية ليست «مسؤولية الأسرة وحدها»، بل:
الأسرة
المسجد
المدرسة
الدولة
المؤسسات الثقافية
الجميع يساهمون في تشكيل هوية الجيل
خاتمة: قيمة منهجه التربوي في عصرنا
إن قراءة منهج الشهيد المطهري التربوي من خلال ما كتبه هو وما كتب عنه، تكشف أنه يقدم رؤية متوازنة تُصلح لأن تكون أساساً لمشروع تربوي إسلامي معاصر يقوم على:
مركزية الإنسان
بناء الوعي
تكامل العقل والأخلاق
رفض الجمود والتقليد
الانفتاح الواعي على العصر
ربط الفرد بالمجتمع
وهذا ما يجعل فكره حتى اليوم حياً و فاعلاً و قابلاً للتطوير، لأنه يقوم على أسس عقلية وروحية ومجتمعية متكاملة لا تتبدل بزمان ولامكان .




