في ديسمبر عام 2003..!
فرقان ال رضا ||

وبعد مطاردةٍ استمرت أشهرًا، تمكّنت القوات الأمريكية من إلقاء القبض على صدام حسين، الحاكم الذي كان يومًا يُعدّ من أكثر زعماء الشرق الأوسط رهبةً وسطوة.
لكن مشهد القبض عليه كان صادمًا للعالم بأسره — إذ وُجد مختبئًا في حفرةٍ صغيرة تحت الأرض قرب مدينة تكريت، مسقط رأسه، لا تتجاوز عمق مترين.
كانت الحفرة — أو ما سُمّيت لاحقًا بـ “حفرة العنكبوت” — أشبه بقبرٍ بدائي، جدرانها من الطين وسقفها من الخشب والحديد، بالكاد تتّسع لرجلٍ ممدّد.
عاش صدام فيها أيّامًا طويلة بمعزلٍ عن العالم، لا يملك سوى مروحةٍ صغيرة وأنبوب تهوية، وقطعة سلاحٍ لم يستخدمها حين اقتحمت القوات المكان.
ظهر الرجل الذي حكم العراق بقبضةٍ من حديدٍ على مدى أكثر من عقدين بلحيةٍ كثيفة ووجهٍ شاحبٍ منهك، لا أثر فيه لهيبة القصور ولا لمجد الزعامة.
لقد تحوّل مشهد القبض عليه إلى رمزٍ للانهيار التام — صورةٌ لسلطةٍ مطلقةٍ انتهت إلى حفرةٍ ضيّقةٍ في باطن الأرض.
كانت لحظة الإمساك به أكثر من مجرد حدثٍ سياسي؛ كانت تجسيدًا لمفارقة السلطة — كيف يمكن لجبروتٍ ملأ الدنيا ضجيجًا أن يُختصر في مساحةٍ من ترابٍ لا تتجاوز خطواتٍ معدودة.
ومن بين الغبار والرطوبة، خرج صدام من عزلته لا كحاكمٍ مُهاب، بل كإنسانٍ هزمه الزمن، ليشهد العالم واحدةً من أكثر لحظات السقوط دراميةً في التاريخ الحديث.




