(الاصلاح) الى أين؟!
محمد علي اللوزي ||

منذ سنوات واليمن يعيش واحدة من أعقد مراحله التاريخية؛ صراع تتشابك فيه الأطماع الخارجية مع الفشل الداخلي، ويُستَخدم فيه شعار «الشرعية» كغطاء لتمزيق الدولة وتفتيت نسيجها الاجتماعي. في قلب هذا المشهد يقف تنظيم الإصلاح، بوصفه أحد أهم القوى السياسية والاجتماعية، مستهدفًا بشكل مباشر من قبل التحالف السعودي–الإماراتي، تحت ذرائع شتى تبدأ من «مكافحة الإرهاب» ولا تنتهي عند حدود الإقصاء الكامل.
لم يعد خافيًا أن الرياض وأبوظبي على اتفاق ضمني لإنهاك اليمن والسيطرة على اقتصاده ومصادر سيادته، وفي الوقت نفسه الإجهاز على تنظيم الإصلاح باعتباره قوة جماهيرية لا يُستهان بها. هذا الاستهداف بات مسلَّمة سياسية لا تحتاج إلى تحليلات طويلة؛ فالوقائع اليومية تقدم الدليل على أن الإصلاح يُراد له أن يكون «الضحية الكبرى» في مسرحية إعادة تشكيل اليمن
المعضلة لا تتوقف عند حدود التدخل الخارجي؛ بل تتجلى أيضًا في ما يُسمى «الشرعية» ومؤسساتها، التي تحولت إلى مظلة تُشرعن حضور التحالف وتوفر له الغطاء السياسي لارتكاب ما يُصنَّف قانونيًا كجرائم حرب. وبذلك صارت الشرعية نفسها أداة في يد الآخرين، فاقدة القدرة على الدفاع عن الوطن، أو حتى الدفاع عن القوى التي تستند إليها في الداخل.
المؤلم أن الإصلاح، وهو في مقدمة المطلوبين إقصاءً وربما تصفية، ما يزال أسير حالة من التردد والتخدير. قياداته المترفة، المقيمة في فنادق خمسة نجوم، تراقب النار تلتهم أطراف اليمن دون أن تُبدي موقفًا حازمًا، وكأنها تعيش في معزل عن الواقع. هذا العجز عن الفعل يوشك أن يكون القشة التي تقصم ظهر التنظيم، وتفتح الباب لمحاسبة قياداته في غرفها المكيَّفة بدل ساحات الفعل السياسي والميداني
التحركات على الأرض تكشف أن المخطط يتجاوز استهداف الإصلاح ليشمل تمزيق الوطن نفسه. السيطرة الإماراتية على سقطرى ليست سرًّا، والحضور السعودي في المهرة وحضرموت بات واقعًا معلنًا، في حين تُترك شبوة لتجاذبات تُضعف بنيتها وتستنزف مواردها. السؤال البديهي: ماذا تفعل هذه القوات في مناطق بعيدة عن خطوط القتال؟ الجواب لا يحتاج إلى اجتهاد: تقسيم النفوذ وتقويض السيادة.
المؤكد أن ثمة مفاوضات تُدار مع الراعي الدولي للمشهد ــ الولايات المتحدة ــ في اتجاه «سلام» لا مكان فيه للشرعية ولا للإصلاح. وهنا تبرز المعضلة الأخطر: ماذا لو تحقق سلام بمعزل عن القوى الوطنية؟ أين سيجد الإصلاح نفسه؟ وهل يُعاد سيناريو «رابعة» في مصر ولكن بطريقة يمنية؟ أم أن هناك خطة بديلة ما تزال طي الكتمان؟
ما العمل؟!
البقاء في مربع الانتظار هو انتحار حقيقي. المطلوب من الإصلاح اليوم قبل الغد:
إطلاق مبادرة وطنية شجاعة تنفتح على بقية القوى السياسية والاجتماعية.
تقديم رؤية واضحة للخروج من حالة التشرذم، وإعادة تعريف موقعه في المعادلة الوطنية.
استعادة حضوره الميداني والسياسي، بعيدًا عن رفاهية المنافي والفنادق.
تبني خطاب يضع مصلحة اليمن أولًا، ويستنهض قواعده وجماهيره الواسعة.
اخيرا:
اليمن اليوم ليس بحاجة إلى مزيد من الاصطفافات الوهمية ولا إلى شرعيات زائفة. الحاجة الحقيقية إلى قوة وطنية تمتلك المبادرة وتواجه المخططات الخارجية بوعي ومسؤولية. الإصلاح، بما له من قاعدة جماهيرية، مطالبٌ أن يخرج من دائرة التخدير وأن يختار: إمّا أن يكون لاعبًا وطنيًا فاعلًا، أو أن يُسجَّل في قائمة الخاسرين الذين باعوا اللحظة التاريخية مقابل أوهام فخمة لا تحمي وطنًا ولا تحفظ تنظيمًا.




