التعاون الروسي–الإيراني في مشروع خط سكة حديد رشت-أستارا ودور “ممر ترامب” في جنوب القوقاز..!
كاظم الطائي/Nor ||

ملخص
يحلل هذا البحث المبسط مشروع خط سكة حديد رشت-أستارا بوصفه جزءًا محوريًا من ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب (INSTC)، الذي يمتد من سانت بطرسبرغ إلى مومباي، مع التركيز على أبعاده الجيوسياسية والاقتصادية. كما يتناول أثر ما يُعرف بـ “ممر ترامب”، وهو الاتفاق الذي توسطت فيه الولايات المتحدة بين أرمينيا وأذربيجان عام 2025، مانحًا باكو حق العبور إلى ناختشيفان. يناقش البحث مقارنة بين استدامة مشروع INSTC الذي تقوده روسيا وإيران، وبين هشاشة مشروع “Tripp” الذي يعتمد على دعم أمريكي متقلب.
يشهد النظام الدولي إعادة تشكيل كبرى للبنى الاقتصادية واللوجستية في ظل تصاعد العقوبات الغربية على روسيا وإيران، ما دفع البلدين إلى تعزيز التعاون في مشاريع استراتيجية بديلة. يأتي مشروع خط رشت-أستارا ليسدّ فجوة أساسية في ممر INSTC، الأمر الذي يوفر مسارًا بريًا-بحريًا آمنًا يربط أوروبا الشرقية بـ جنوب آسيا عبر إيران. وفي المقابل، يدخل “ممر ترامب” عنصرًا تنافسيًا في جنوب القوقاز، إلا أن نجاحه على المدى البعيد يظل أقل ترجيحًا مقارنة بالمشروع الروسي–الإيراني.
الأهمية الاستراتيجية لخط رشت-أستارا
يمثل خط رشت-أستارا البالغ طوله 162 كيلومترًا حلقة مفقودة في ممر INSTC، حيث يربط مدينة رشت شمال إيران بمدينة أستارا على الحدود مع أذربيجان، ليشكل صلة مباشرة بخط أستارا–باكو، ومنه إلى موسكو شمالًا وموانئ الخليج جنوبًا. هذا المسار يجعل من إيران محورًا لوجستيًا رئيسيًا في حركة البضائع بين أوروبا الشرقية وجنوب آسيا، مع تقليص زمن شحن البضائع من روسيا إلى الهند بنسبة تصل إلى 40%.
تعزز موسكو وطهران شراكتهما عبر تمويل روسي كبير للمشروع، حيث منحت الحكومة الروسية قرضًا بقيمة 1.3 مليار يورو لتغطية الجزء الأكبر من التكلفة الإجمالية المقدرة بنحو 1.6 مليار يورو. هذه الخطوة تمثل بعدًا استراتيجيًا في تقليص الاعتماد على الممرات الخاضعة للهيمنة الغربية وتوفير بدائل آمنة وسط بيئة العقوبات المتزايدة.
“ممر ترامب” وتأثيره على مشروع INSTC
في أغسطس 2025، أعلنت الولايات المتحدة عن نجاح وساطتها في التوصل إلى اتفاق مصالحة بين أرمينيا وأذربيجان، برعاية الرئيس دونالد ترامب، في اتفاقية أطلق عليها إعلاميًا اسم “Tripp” أو “ممر ترامب”. بموجب هذه الاتفاقية، تحصل أذربيجان على حق العبور عبر الأراضي الأرمينية إلى ناختشيفان، ما يوفر مسارًا استراتيجيًا مباشرًا يربط باكو بـ تركيا.
رغم ما يوفره “ممر ترامب” من إمكانيات لزيادة النفوذ الأذري والتركي في المنطقة، إلا أن تأثيره على المدى البعيد يبقى محدودًا نظرًا إلى هشاشته أمام تقلب السياسات الأمريكية. إضافة إلى ذلك، قد يسهم الممر في إعادة توزيع مسارات حركة البضائع، إلا أن المشروع الروسي–الإيراني يظل أكثر موثوقية واستقرارًا، نظرًا إلى أن مسار INSTC يقع ضمن نطاق سيطرة جغرافية مباشرة لكل من روسيا وإيران.
التحديات أمام مشروع رشت-أستارا
يواجه المشروع جملة من التحديات المعقدة على المستويين الجيوسياسي والفني. تتمثل أبرزها في المنافسة الناشئة من “ممر ترامب” الذي يمكن أن يجذب جزءًا من حركة التجارة بين أذربيجان وتركيا، إضافة إلى طبيعة التدخل الأمريكي الذي يتأثر بتغير الإدارات، ما يقلل من قدرة المشروع المنافس على الاستدامة.
على الصعيد المالي، يظل الاعتماد الكبير على التمويل الروسي في ظل العقوبات الغربية أحد أبرز العقبات، بينما ترتبط التحديات الفنية بوعورة بعض التضاريس وتعقيد البنية التحتية المطلوبة لاستكمال الخط. أما على المستوى الإقليمي، فإن العلاقات المتوترة بين أذربيجان وأرمينيا، رغم المصالحة الأخيرة، تبقى عاملاً غير مضمون الاستقرار. كما تحتاج إيران إلى إدارة علاقاتها مع باكو بحذر لضمان استمرار التعاون في الممر البري المشترك.
الآثار الاقتصادية والجيوسياسية
يمثل اكتمال خط رشت-أستارا تحولًا استراتيجيًا كبيرًا في معادلات التجارة الدولية، حيث من المتوقع أن يسهم في مضاعفة حجم التبادل التجاري بين روسيا والهند ودول الخليج إلى أكثر من 200 مليار دولار سنويًا خلال العقد المقبل. كما يعزز المشروع مكانة إيران بوصفها مركزًا محوريًا لشبكات النقل بين آسيا وأوروبا، ويوفر لموسكو منفذًا بديلًا وفعالًا بعيدًا عن الموانئ الأوروبية الخاضعة للنفوذ الغربي.
أما “ممر ترامب”، فرغم كونه مبادرة ذات أبعاد تنافسية واضحة، إلا أن استدامته مشروطة بمدى التزام الولايات المتحدة بسياساتها في جنوب القوقاز، وهو ما يجعله أقل أمانًا وأكثر عرضة للتقلبات. في المقابل، يوفر INSTC تفوقًا واضحًا لروسيا وإيران، بفضل تحكمهما المباشر في الأرض والبنية التحتية الأساسية للمشروع.
بالتالي
يمثل مشروع خط رشت-أستارا ركيزة أساسية في الاستراتيجية الروسية–الإيرانية الهادفة إلى تعزيز النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي بعيدًا عن الهيمنة الغربية. وفي حين يشكل “ممر ترامب” تحديًا محتملًا في جنوب القوقاز، إلا أن التفوق الجغرافي والسيطرة الكاملة على مسار INSTC يمنح موسكو وطهران أفضلية واضحة على المدى البعيد.
يبقى مستقبل المنطقة مرهونًا بقدرة روسيا وإيران على تسريع تنفيذ المشروع وتحقيق أكبر قدر من التكامل اللوجستي، إلى جانب إدارة التوازنات الإقليمية المعقدة مع أذربيجان وأرمينيا وتركيا، في ظل تقلب السياسات الأمريكية التي تجعل مشروع “Tripp” أقل موثوقية.



