ما بين واشنطن وموسكو.. إيران تكتب فصلاً جديدًا في ميزان القوة..!
كاظم الطائي/Nor ||

رُسمت العلاقة بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين في الإعلام الغربي على أنها علاقة قائمة على الانسجام الشخصي والاحترام المتبادل، ما أوحى بوجود نوع من التحالف غير المعلن بين الطرفين. غير أن المتابع الحصيف للسياسات التي اعتمدها ترامب خلال فترة حكمه في المرحلة السابقة، والدورة الثانية من حكمه وتداعياتها على المشهدين الإقليمي والدولي، يكتشف بوضوح أن هذه العلاقة لم تكن سوى غطاء لخديعة استراتيجية، استثمر فيها ترامب “التودد” الظاهري لبوتين لتحقيق مكاسب أميركية خالصة، خصوصًا في أوكرانيا، وعلى حساب إيران، التي خرجت رغم كل الضغوط كلاعب لا يُمكن تجاهله.
منذ لحظة دخوله البيت الأبيض، لم يُخفِ ترامب إعجابه ببوتين، بل قدّم نفسه كرئيس راغب في التعاون مع روسيا بعيدًا عن لغة التصعيد التي ميزت الإدارات السابقة. هذا الانفتاح، الذي أثار الريبة داخليًا، كان في جوهره وسيلة لخلخلة موقف موسكو وتحقيق اختراق في الجدار الروسي الصلب، خصوصًا في ملفين شائكين: أوكرانيا، وإيران.
ففي أوكرانيا، حيث تحتدم معركة النفوذ بين واشنطن وموسكو، استخدم ترامب تقاربه المعلن مع بوتين كورقة ضغط مزدوجة: من جهة، هدّأ المخاوف الروسية مؤقتًا، ومن جهة أخرى، دفع نحو تعظيم الحضور الأميركي في الداخل الأوكراني، خاصة في قطاع الموارد الطبيعية. ولم يتوانَ عن تجميد المساعدات العسكرية لكييف مؤقتًا، ليستخدمها كورقة مساومة من أجل تحقيق مكاسب اقتصادية.
الأدهى من ذلك، أن ترامب استغل هذا الغلاف الودي لإبعاد روسيا عن دعم إيران، حليفتها الإقليمية المهمة. ففي خضم التوترات المتصاعدة مع طهران، وخصوصًا خلال حرب الأيام الـ12 التي شنّت فيها إسرائيل ضربات موجعة على مواقع إيرانية، نجح ترامب في تحييد موسكو نسبيًا عن أي موقف داعم لإيران. وهو نجاح تكتيكي يُحسب لفريق ترامب ونتنياهو، إذ استطاعا عبر التنسيق الاستخباراتي المشترك إخراج روسيا مؤقتًا من معادلة الدفاع مع طهران، ما منح الغطاء للضربات الأميركية–الإسرائيلية المشتركة.
لكن إيران، التي واجهت هذا الإعصار منفردة، فاجأت الجميع. فبينما كان يُخطط لإسقاطها أو على الأقل تحجيمها بذريعة مشروعها النووي، استطاعت طهران أن تصمد وتعيد تشكيل نفسها كقوة استراتيجية لها موقع محوري في النظام العالمي. بل إن إيران لم تكتفِ بالدفاع، بل شنّت هجومًا نوعيًا على مستوى بنية الدولة، إذ استغلت تداعيات الحرب الأخيرة لكشف وتفكيك مؤامرة داخلية قادها جهاز الاستخبارات الإسرائيلي منذ أكثر من عشرين عامًا، عبر خلايا نائمة كانت معدّة لضرب الداخل الإيراني في لحظة ضعف. الحرب، على قسوتها، مكّنت النظام الإيراني من تنظيف ساحة الداخل من هذا الخطر الصامت.
الأهم أن إيران، بقيادة المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، خرجت من الأزمة بصورة جديدة غير مسبوقة. فقدّمت الجمهورية الإسلامية نفسها للعالم بوصفها دولة منظمة، تمتلك بنية عسكرية وأمنية متماسكة، وقدرات تكنولوجية لم تُكشف بالكامل بعد. لقد أبهرت الصديق قبل العدو، وأكدت أن ما لم يُكشف من قوتها ربما يكون أعظم مما ظهر. ولم يكن غريبًا أن تدرك كل من الصين وروسيا هذه الحقيقة، فبدأتا بالتحالف معها بصفقات استراتيجية طويلة الأمد، لأنهما باتتا على قناعة بأن إيران تُمثل حجر زاوية في المعسكر المناهض للهيمنة الأميركية.
في المقابل، يظل السؤال مفتوحًا: لماذا وقعت روسيا مرة أخرى في فخ الخداع الأميركي، رغم أنها عانت من نفس التكتيك في تسعينيات القرن الماضي، حين استُدرجت إلى وهم التعاون ثم فُكّك الاتحاد السوفيتي بأسلوب مشابه؟ هل كانت تراهن على أن ترامب سيضعف الناتو؟ أم أنها رغبت في استغلال الود الظاهري لتحقيق أهدافها دون الاصطدام المباشر؟ أم أنها ببساطة أخطأت التقدير مرة أخرى؟
الذي لا شك فيه هو أن لعبة المصالح الكبرى التي خاضها ترامب مع بوتين لم تكن تحالفًا حقيقيًا، بل كانت ساحة شطرنج، حاول فيها كل طرف أن يحرّك الآخر لصالحه. وبينما انشغل ترامب بخداع بوتين وتحقيق مصالح آنية، كانت إيران، التي وُضعت تحت المجهر الدولي، تعيد ترتيب أوراقها وتخرج أقوى من أي وقت مضى. لقد تغيّرت موازين القوى، ولم تعد واشنطن وحدها من يصوغ قواعد اللعبة.




