لبنان أسطورة طائر الفينيق تتجسّد من جديد..!
ناجي أمهز ||

شكرًا للدكتور محمد هزيمة على أنه ذكرني بهذا المقال بالاسم، كنموذج في التواصل بين المكوّن اللبناني، وأرجو أن تنتقل هذه العدوى إلى غالبية النخب الشيعية، على الأقل من أجل إنتاج فئة أدبية سياسية تقبل الآخر بعيدًا عن الأنا.
كتب الدكتور محمد هزيمة
لبنان أسطورة طائر الفينيق تتجسّد من جديد
لم يبقَ طائر الفينيق أسطورة، وفعلاً أثبت لبنان أنه رسالة أكثر مما هو وطن. فإذا كان تعريف الوطن أرضًا وشعبًا ونظامًا، فإن شعب لبنان جسّد الثلاثة في وحدة قلّ نظيرها في مواجهة عاصفة حرب هوجاء، انتصرت فيها إرادة الصمود عند أبناء وطن الأرز على إدارة التوحش التي مارسها العدو الإسرائيلي بحرب إبادة على وطن الحرف والحضارة الراسخ في التاريخ والمذكور في الكتب السماوية، المتشبث بوجوده حرًّا سيدًا مستقلًا.
قهر الغازي وأخرج المحتل ليبقى منارة الشرق ودرة البحر، همزة وصل ليس فقط بين الشرق والغرب، وإنما بين الحاضر والماضي والمستقبل بفرادة قلّ نظيرها صنعها أبناؤه اللبنانيون الذين تشدّ لحمتهم الصعاب، توحدهم المصائب، وتشتد عزائمهم فيتجاوزون تبايناتهم في مواجهة أي خطر يهدّد وجودهم ويهز كيان وطنهم الذي يجمعون على حبه بعيدًا عن السياسة ومشاربها التقسيمية التي لم تُغرق سفينة وطنهم وعجزت عن تمزيق أشرعة وطنيتهم، وحوّلوها أجنحة تبثّ فيهم روح الوطنية والانتماء لوطنهم من جديد.
تجلّى ذلك بصورة معبّرة عن وحدة الشعب أمام هذه الحرب، مشهد عظيم لشعب أعظم، لم يكن يتوقعه الكثيرون أمام انقسام سياسي وصراع مشاريع وخلاف كبير سقط صريعًا أمام حقيقة شعب عظيم بحب وطنه، متفانٍ بوطنية، ترفع عن الصغائر مغرّدًا في سماء الإنسانية ليكتب من جديد حروف انتصار على صفحات التاريخ، أن لبنان قوي بوحدة أبنائه وصمودهم أمام عواصف الحروب وتعاضدهم كأبناء الأمة اللبنانية المتجذرة مع شجرة الأرز، الراقدين على قيامة انتصار صنعوه بوحدتهم واحتضان بعضهم البعض.
لم تقف السياسة عائقًا، بل كسروا الحواجز الوهمية التي أوجدتها التباينات السياسية، لكنها في الحرب جمعتهم ولم تفرقهم. وحدتهم في بيوت احتضنت تلاحمهم وصنعت صمودهم وأعطت للعالم كله درسًا أثبت أن وعي القاعدة الشعبية وحرص البيئة الاجتماعية يفوقان القادة في لبنان، ويشكلان نموذجًا للعالم كله حول كيفية العيش الحقيقي لأبناء الوطن، حيث يجتمع أبناؤه تحت مظلة كنائس ومساجد، ويُستقبَلون بقلوب مفتوحة بغض النظر عن مذاهبهم أو توجهاتهم الحزبية.
فكانت هذه أولى علامات الانتصار في جبهة الداخل، التي تعالت عن الصغائر وأكدت من جديد أن لبنان وطن الحرف، الذي صدّر يومًا الأبجدية من جبيل ليعلّم العالم، واليوم يعيد تعليم العالم كله كيف تكون الوطنية.
ومن جبيل وشقيقاتها في الوطن، دروس وعِبَر، استخلصنا منها قول السيد الشهيد حسن نصر الله، رضوان الله عليه، كما قالها قبله السيد المسيح، كلمة الله عليه السلام، وكتب عنها ناجي أمّهز وأعطاها الكثير: “ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه؟” وقدرنا أن نعيش مع بعضنا، وأن نغلق الأبواب على بعضنا. الكل يرحل ولبنان يبقى، ونحن فيه وأولادنا، فلنترك لهم وطنًا جميلًا. عسى أن يصل هذا إلى مسامع الكثيرين، وخاصة أصحاب المواقع القيادية في وطن قال عنه البابا إنه رسالة، ووصفه الإمام السيد موسى الصدر بأنه “لبنان أكبر من أن يُبتلع وأصغر من أن يُقسّم، فيه الطوائف نعمة والطائفية نقمة”. واليوم، لبنان وطن الرسالة انتصر على العدوان من جديد.




