سياسة متقاربة..!
نزار الحبيب ||

التاريخ يعيد نفسه: غورباتشوف وتفكيك الاتحاد السوفيتي، وبازشكيان ومستقبل إيران
في نهاية الثمانينيات، شهد العالم حدثاً سياسياً كبيراً مع انهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه إلى جمهوريات مستقلة، وذلك تحت قيادة ميخائيل غورباتشوف الذي أطلق سلسلة من الإصلاحات الجذرية المعروفة باسم “البيريسترويكا” و”الغلاسنوست”. كان غورباتشوف يسعى لتحديث الاتحاد السوفيتي، لكنه في النهاية أدى إلى انهيار النظام الذي قاده. جزء كبير من هذا التحول كان مدفوعاً بمحاولة غورباتشوف التقرب من الغرب والاندماج في النظام الدولي السائد.
وفي إيران اليوم، يرى بعض المراقبين أن مسعود بازشكيان قد يلعب دوراً مشابهاً لما قام به غورباتشوف، إذا استمر في تبني سياسات مشابهة. فالرجل يدعو إلى إصلاحات تشمل إنشاء عاصمة جديدة لإيران، في خطوة قد تبدو للوهلة الأولى كمسألة إدارية، لكنها تحمل في طياتها بعداً سياسياً عميقاً. إنشاء عاصمة جديدة يعني، بالنسبة للبعض، إعادة توزيع للسلطة وتقليل من مركزية القرار التي كانت تقليدياً في يد النخب المحافظة في طهران.
غورباتشوف: الإصلاحات التي قادت إلى التفكك
عندما تسلم غورباتشوف السلطة في الاتحاد السوفيتي عام 1985، كان يعلم أن النظام الشيوعي يواجه تحديات كبيرة، خصوصاً في ظل الركود الاقتصادي المتزايد وانعدام الحريات السياسية. كان هدفه الرئيسي إصلاح النظام وليس تفكيكه. لذلك، أطلق البيريسترويكا، وهي سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية التي هدفت إلى إدخال عناصر السوق في النظام السوفيتي، والغلاسنوست التي فتحت المجال أمام حرية التعبير والإعلام.
لكن النتائج لم تكن كما كان يتوقع غورباتشوف. بدلاً من إنقاذ النظام، أدت سياساته إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية وتزايد الاحتجاجات الشعبية ضد النظام. كما أن التقارب مع الغرب، والذي تضمن مفاوضات للحد من التسلح والاندماج في المجتمع الدولي، قلل من هيبة الاتحاد السوفيتي على الساحة الدولية وأضعف السيطرة المركزية. في النهاية، تفكك الاتحاد السوفيتي في عام 1991، وتحول إلى دول مستقلة.
بازشكيان: هل يسير على خطى غورباتشوف؟
في إيران، يبرز مسعود بازشكيان كواحد من الأصوات الإصلاحية في النظام السياسي. دعوته لإنشاء عاصمة جديدة قد تبدو خطوة غير اعتيادية، لكنها تفتح الباب أمام إعادة تنظيم السلطة في إيران. طهران، العاصمة الحالية، تعد مركز القرار السياسي والنفوذ للمحافظين الذين يتمسكون بسياساتهم الرافضة للتقارب مع الغرب. إنشاء عاصمة جديدة قد يُفهم كخطوة نحو تخفيف القبضة المركزية لطهران، وبالتالي تقليل نفوذ الطبقة المحافظة.
كما أن بازشكيان قد يكون من الأصوات التي تدعو إلى تقارب أكبر مع الغرب، في محاولة لإدخال إيران في النظام الدولي والحد من عزلتها السياسية. وإذا كان هذا هو النهج الذي يتبعه، فإن البعض قد ينظر إليه كمن يحاول تطبيق نسخة إيرانية من سياسات غورباتشوف الإصلاحية. ولكن يجب على الجمهورية الإسلامية أن تنظر إلى ما حدث في الاتحاد السوفيتي وتتعلم من تجربته. التقارب مع الغرب، وإن كان يبدو مغريًا من الناحية الاقتصادية والدبلوماسية، قد يحمل في طياته مخاطر سياسية على استقرار النظام.
تحديات المستقبل: الإصلاحات أم الاستقرار؟
المشكلة التي تواجه أي نظام سياسي تسعى فيه شخصيات مثل بازشكيان إلى إجراء إصلاحات هي كيفية تحقيق توازن بين الحاجة إلى التحديث والحفاظ على استقرار النظام. في حالة الاتحاد السوفيتي، فشلت الإصلاحات في الحفاظ على النظام وأدت إلى تفككه. في إيران، يبدو أن التقارب مع الغرب قد يُفسر على أنه محاولة لتقويض النظام الإسلامي القائم. وقد ينظر المحافظون إلى سياسات بازشكيان بنفس النظرة التي نظر بها السوفييت المتشددون إلى غورباتشوف في التسعينيات.
إنشاء عاصمة جديدة لإيران قد يكون الخطوة الأولى في سلسلة من التحركات التي يمكن أن تؤدي إلى تحول سياسي كبير في البلاد. إذا تم تنفيذ هذا المشروع، قد يتبعه تعزيز للتيارات الإصلاحية وتقليص نفوذ المحافظين، مما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى انقسام داخلي بين ما يمكن وصفه بدولة إصلاحية ودولة محافظة.
الجمهورية الإسلامية: الدروس المستفادة من التاريخ
من الضروري للجمهورية الإسلامية في إيران أن تتعلم من دروس التاريخ. فالتجربة السوفيتية توضح أن الإصلاحات السياسية والاقتصادية، إذا لم تتم بحذر، يمكن أن تؤدي
إلى انهيار النظام بأكمله. التقارب مع الغرب قد يكون ضرورياً في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها إيران، لكنه يجب أن يتم بطريقة تضمن استمرارية النظام واستقراره.
إذا استمر بازشكيان في تبني هذه السياسات، فقد يكون من الضروري للجمهورية الإسلامية مراقبة تحركاته عن كثب وتقييم تأثيرها على استقرار النظام. في النهاية، قد تكون إيران على أعتاب تحول كبير، لكن كيفية إدارة هذا التحول ستحدد ما إذا كانت البلاد ستشهد تجربة مشابهة لتجربة الاتحاد السوفيتي أو ما إذا كانت ستتمكن من تجنب هذا المصير
التاريخ مليء بالدروس والعبر، وتجربة غورباتشوف وتفكك الاتحاد السوفيتي تبقى أحد أهم هذه الدروس. إيران اليوم، وهي تواجه تحديات داخلية وخارجية، قد تجد نفسها على مفترق طرق مشابه لما واجهه الاتحاد السوفيتي قبل عقود.




