الخميس - 25 يونيو 2026
منذ 5 سنوات
الخميس - 25 يونيو 2026


باقــــر النجـــــار ||

نعيش مرحلة تكوينية للقرن القادم حيث الثورة الرقمية تغير كثير من قواعد القرن الماضي، بالاضافة الى فقدان السيطرة على منع انتقال التقنيات، وضعف سيادة الدولار او حتى انهياره بالمستقبل القريب بسبب آثار الاجراءات الوقائية من الوباء. واقليمياً تنامي مايعرف بمحور المقاومة في منطقتنا، وهو مجموعة قوى منتشرة في عدة دول بضمنها العراق. فضلاً عن عوامل كثيرة اخرى ليس من متسع لذكرها تجعل الجميع يبحث عن مستقبلهم في تلك البيئة الدولية. ولن تكون هناك مفاجئات، بل كما حصل طيلة القرن الماضي الاقوياء يتفاوضون حتى لو خسروا الحرب، والضعفاء يتم التفاوض على بيعهم حتى لو نأوا بالنفس عن الصراعات. والاقوياء هم من لهم فهم لواقعهم ورؤية لمستقبلهم واولويات وخطط عملية يصرون على انجازها.
كانت للعراق تجربة مريرة طيلة القرن الماضي حين اختار العراق مختلف المحاور، ودفع الشعب ثمن ذلك بفقدانه لجميع الثروات واصبحنا البلد الوحيد في المنطقة، الذي يبيع النفط لعقود من الزمن، ولا نمتلك حصة في عالم الانتاج او التكرير او حتى صندوق استثماري، لذلك لا يمكن التفكير بالعودة الى سياسة المحاور اطلاقاً. الا ان ذلك لا يعني عدم التفكير خارج الصندوق والبقاء في الدور ما بين إما سياسة المحاور أو الحياد. فالاوضاع في المنطقة والعالم تمنحنا فرص وخيارات اكثر. والخيار متروك للعراق ان يبحث فرصة ومتنفس جديد لتحقيق اهدافه التنموية خلال القرن القادم.
سعى الدستور العراقي معالجة الأمر بتاسيس نظام متوازن يطبق سياسة خارجية تهدف تحويل الصراعات والتوازنات حول العراق، الى فرص لتحقيق التنمية. الا ان الارض لم تكن خصبة لهذه النبتة حتى الان، حيث ان بيئتنا الدولية والاقليمية الحالية بمثابة مستنقع للعراق، وكل ما تحركنا طمسنا اكثر. وعلينا تغيير هذه البيئة لنعيش فيها بسلام. إذ لا يمكن اعتماد النظريات دون ان تثبت النجاح بالتجربة.
جرب العراق اوجه مختلفة لمبادئه الدستورية في تطبيقه للسياسة الخارجية وكانت النتائج مغايرة للطموح، سواء:
1. سياسة النأي بالنفس ( ٢٠٠٥- ٢٠١١) التي اصبحنا خلالها ساحة معركة الحروب بالوكالة. حيث اعتمد العراق بشكل اساسي على الجيش الامريكي واعتبر ما يجري في المنطقة وكأنه يجري في كوكب آخر.
2. سياسة الحياد السلبي (٢٠١١- ٢٠١٨) التي خسرنا جرائها جميع الحلفاء والاصدقاء معاً. حيث اعتمد العراق سياسة حيادية بالابتعاد عن الجميع واكد على المشتركات السلبية لدى مختلف المحاور.
3. سياسة الحياد الايجابي (٢٠١٨-٢٠٢٠) التي خلالها تم التفاوض علينا بين الاقوياء دون ان نكون طرفاً في المفاوضات. حيث سعينا الى مشاركة الجميع ما يهمنا من اجنداتهم لكن منحنا الثقة غير المبررة لاطراف دون اخرى وصنفنا اصدقاء واعداء في البيئة الدولية في حين نريد تطبيق الحياد، الامر الذي اعطى للعراق تسعيرة في سوق المفاوضات. على سبيل المثال خسرنا في جلب سيمنز لان جنرال الكتريك كانت تعتبر نفسها متضررة من ذلك! او تعاملنا مع مبادرة الصين للحزام والطريق بايجابية دون مراعاة الواقع الاقليمي والدولي، فكنا على وشك فتح الممر امام التنين الصيني ليمر من العراق الذي يحتوي اكبر عش للصقر الامريكي! الامر الذي يضعف من التعاون والتنسيق الباكستاني والايراني والتركي مع المبادرة الصينية نفسها. ومن الطبيعي ان يتم التشكيك بمبادرة العراق لفتح الطريق امام الصين بانها كانت خطوة امريكية بالاساس لإيقاع التنين في فخ الصقر.
مازال العراق مهدد من قبل الولايات المتحدة التي لا تستطيع الحرب مع الصين او ايران فقد تلجأ مرة اخرى لحرق العراق كما فعلت بتاسيسها لداعش عام 2014. ان ما حصل بالأمس القريب يوضح كم نحن متورطون في معركة وجودية لم نختارها كما لم نختار الجبهة التي نقف فيها. وبالفعل تلقينا الضربات من جميع اطراف الصراع رغم مساعينا بالابتعاد عنه.
ان الصورة الاكبر لما يجري كونها بداية لتغيير مسار التجارة والبوصلة الاقتصادية العالميتين؛ ترسم للعراق خيارات صعبة لا يمكن الجمع بينها:
– إما يكون الممر الآمن لتجارة الجميع.
– أو الممر الآمن للتجارة العالمية التي تخضع لهيمنة الدولار.
– أو يكون الممر المغلق الخرب.
الخيار الثالث كان حصة العراق من الصراع التاريخي على منطقتنا منذ فشل المفاوضات البريطانية الالمانية في عام ١٩١٢ بشأن تاسيس سكة حديد تمتد من البصرة مروراً ببغداد وبيروت، تصل الى برلين. والتي تبعتها فشل المفاوضات البريطانية العثمانية في عام ١٩١٣ لتنظيم التواجد البحري البريطاني في الخليج لتبسط بريطانيا السيطرة على السكة الحديدية الأخطر على وجودها حينها. وبعد فشل تلك المحاولتين غزت بريطانيا العراق في عام 1914.
الخيار الثاني الذي قاتلت من اجله الولايات المتحدة بشراسة وتحدت العالم أجمع لتحقيقه وجابهت انواع المقاومة المحلية والاقليمية والدولية قد فشل بالفعل، لكنها مازالت مصرة على تحقيقه وبجشع وتربط ذلك بنبوءات وافكار دينية يعتنقها اصحابها بخصوص نزول المسيح في ٢٠٢٢ وضرورة تحقق حرب الهرمجدون قبيل ذلك.
اما الخيار الأول الذي يستدعي اغتنام الفرصة التاريخية التي قد لا تتاح الا في القرن القادم، فهو يحتاج الى تمييز امر مهم: )طرق الحرير مقابل طريق الحرير( ان هناك شبكة طرق تجارية قائمة تربط الصين عن طريق اسيا الوسطى وباكستان وايران وصولاً الى الخليج، وستكون ثانوية او قد تضمحل بمرور الزمن اذا ما فعّل طريق بغداد الحريري حصراً دون ان يرتبط بتلك الشبكة عن طريق ايران. وهنا مربط الفرس. حيث قد تُجبر امريكا على ان تتقاسم طريق بغداد مع الصين حصراً (مقابل استبعاد الطرق الاخرى) بغية تحقيق الخيار الثاني المذكور اعلاه. علماً ان حصة العراق من تلك الصفقة ستكون استضافة الايدي العاملة الاجنبية وتسخير جهدنا الامني لتامين بضاعة غيرنا وسنؤمن امداد الطاقة لمصافي لانمتلكها وكذلك التلوث، دون بناء لبنة واحدة من الاقتصاد المحلي مع فتح المجال امام تفتيت بنية المجتمع عن طريق الاعتراف بقيم دولية غربية المنشأ وغريبة على الجتمع البشري من قبيل توفير الحماية للمثلية الجنسية لنكون مجرد السوق المستهلكة الآمنة على المدى البعيد وتستمر هيمنة الدولار العالمية على جناحي التنين الصيني. لكن اذا ما انتهج العراق سياسة خارجية تضمن له تأمين ربط طرق الحرير وليس الطريق، سيكون هو الموزع والتقاطع الرئيسي لطرق الحرير دون هيمنة طرف دولي او اقليمي محدد ويمكن ان يحتضن المنظمات الاقتصادية والتجارية الدولية الجديدة التي ستنظم طرق الحرير في مقرها الطبيعي: (( بغداد)).
تاريخياً لم يزدهر العراق الا حينما كان عاصمة لدول كبرى تبسط سيادتها على البحار الثلاثة أي الخليج وبحري الابيض والاحمر. وكان في اوهن وضعه حينما تقطعت اوصال الطرق بين هذه البحار ضمن دول متعددة. وتقوم المعاهدات الدولية والانظمة الاقليمية في عالمنا اليوم، مقام الدول الكبرى والامبراطوريات في بسط سيادة موحدة في جوانب محددة. يستطيع العراق ان يعرف لنفسه مصلحة عليا في احتضان مقر منظمة اقليمية جديدة او مجموعة منظمات اقليمية .
حينما يكون الحديث عن تكامل اقليمي لبناء محور جديد، تصبح لمفاهيم الامن القومي ابعاد جديدة وتخرج من الحسابات الضيقة التقليدية لتبحث عن فرص وحدود جديدة في الفضاء الاقليمي الجديد، ويتم تعريف مجالات مشتركة للتظافر والتكامل منعاً لإستنزاف الجهود والامكانات لطرف دون الآخر. والعراق لديه فرصة تكوينية ضمن بيئته الاقليمية ان يعرف مصالحه القومية ضمن مصالح المنطقة الآمنة والمزدهرة والمستقرة وهو المرشح الامثل والاوفر حظاً ليكون في مقدمة جميع انواع المبادرات الموجودة في المنطقة ويأخذ مكانه الطبيعي في ان يكون قلب المنطقة النابض.
بغداد 24/12/2020