السبت - 31 اكتوبر 2026

ارهاصات مجنون.. بغداد ودمشق… جغرافيا النفط تعيد رسم المصالح..!

منذ 48 دقيقة
السبت - 31 اكتوبر 2026

د. طالب الشوكة ||

 

 

تأتي زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى دمشق كخطوة عملية لإعادة تشكيل العلاقات بين البلدين، وسط مشهد إقليمي معقد وضغوط أمنية واقتصادية متزايدة. لم تعد هذه العلاقات محكومة بالتوافقات الأيديولوجية القديمة، بل فرضتها ضرورات الواقع والبحث عن المصالح المباشرة.
يقف تأمين الشريط الحدودي الممتد بين البلدين على رأس أولويات بغداد، حمايةً لأراضيها من تسلل عناصر العصابات المسلحة، وفي مقدمتها داعش. غير أن أهمية الزيارة تتجاوز الجانب الأمني، إذ تأتي في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تفاهمات إقليمية تحدّ من مخاطر الصراعات وانعكاساتها على مصالح البلدين.
في هذا السياق، تبرز أهمية التنسيق الأمني بين بغداد ودمشق، ولا سيما في ما يتعلق بضبط الحدود ومنع استخدام أراضي أي من البلدين منطلقاً لتهديد الآخر. فاستقرار العلاقة بين الجانبين لا يمكن أن يتحقق من دون تفاهمات واضحة تضمن احترام السيادة وتحدّ من احتمالات التصعيد، بما يهيئ الظروف اللازمة لتطوير التعاون الاقتصادي.
على الصعيد الاقتصادي، تبدو المصالح النفطية المحرك الأبرز لهذا التقارب. فالعراق، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على تصدير نفطه عبر الخليج، يدرك أن تعدد منافذ التصدير يمنحه مساحة أوسع للمناورة ويقلل من تعرض اقتصاده لتداعيات الأزمات التي قد تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز. ومن هنا تبرز أهمية مشروع إعادة تأهيل خط أنبوب كركوك–بانياس، الذي يُطرح بوصفه ممراً استراتيجياً محتملاً لنقل النفط العراقي إلى البحر المتوسط، بطاقة تصديرية مستهدفة تصل إلى مليوني برميل يومياً.
ولا تقتصر أهمية المشروع على توفير مسار إضافي لصادرات النفط، بل تمتد إلى تقليص المخاطر المرتبطة بالاعتماد على منفذ واحد، ومنح بغداد خيارات أوسع في إدارة صادراتها النفطية. غير أن تحقيق هذه الغاية يظل مرتبطاً بمتطلبات فنية وتمويلية وأمنية، فضلاً عن قدرة البلدين على توفير بيئة مستقرة تضمن استمرارية تدفق النفط عبر الأراضي السورية.
أما بالنسبة إلى دمشق، فإن المشروع يمثل فرصة للاستفادة من موقعها الجغرافي وموانئها على البحر المتوسط، إلى جانب تنشيط التبادل التجاري وفتح آفاق جديدة للتعاون والاستثمار. ومن شأن نجاح هذه المشاريع أن يمنح العلاقات الاقتصادية بين البلدين مضموناً عملياً يتجاوز حدود التفاهمات السياسية، ويحول المصالح المشتركة إلى شراكة ذات أبعاد استراتيجية.
ولم تغفل المباحثات الجانب الاجتماعي، إذ شملت تسهيل حركة الزوار العراقيين إلى العتبات والمراقد الدينية في سوريا، ولا سيما مرقد السيدة زينب، إلى جانب بحث ترتيبات حماية المواقع الدينية وضمان سلامة الزائرين. وتمثل هذه الملفات جانباً مهماً من العلاقات الثنائية، لما لها من امتدادات اجتماعية وسياسية داخل العراق.
في المحصلة، لا تكمن الأهمية الاستراتيجية للتقارب العراقي السوري في معالجة التحديات الأمنية وحدها، بل في قدرة البلدين على تحويل الجغرافيا المشتركة إلى فرصة اقتصادية مستدامة. فالعراق يبحث عن منافذ أكثر تنوعاً لتصدير نفطه وتقليل تعرض اقتصاده للمخاطر الإقليمية، بينما تسعى سوريا إلى استثمار موقعها في إعادة تنشيط اقتصادها وتعزيز دورها في حركة التجارة والطاقة.
ومن هنا، فإن نجاح هذا التقارب سيبقى مرهوناً بمدى قدرة بغداد ودمشق على تحويل التفاهمات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ؛ فالجغرافيا تتيح الفرصة، لكن المصالح الاقتصادية والقدرة على تأمينها هما ما يمنحانها قيمتها الاستراتيجية.