شظايا الجغرافيا ولهيب الحرب في اليمن وتداعياتها الإقليمية والدولية..!
اللواء الدكتور/ حسن حسين الرصابي ||

حين تشتعل الحرب في مسرح محلي معين، وحين يُسطر الأبطال في خطوط النار ملاحم الثبات بدمائهم الطاهرة، لا تلبث ألسنة لظاها أن تتجاوز حدود الخرائط المرسومة والخنادق الأمامية. ففي عالم تتشابك فيه المصالح وتتقاطع فيه خطوط التجارة والطاقة، تصبح الحرب زلزالاً جيوستراتيجياً تتسع دوائر توابعه لتطال الأقربين والأبعدين على حد سواء. إن المعركة التي تُخاض في الميدان بصمود الأحرار، إنما تفرز في الوقت ذاته تحولات عميقة وجذرية في النظام الإقليمي والدولي، كاشفة عن هشاشة الهياكل المصطنعة وسقوط المعادلات التقليدية.
أولاً: تداعيات الحرب على الجوار الإقليمي.. أمن قومي مهزوز واختبارات مصيرية
لا يمكن لأي دولة مجاورة لمسرح النزاع أن تقف طويلاً في المنطقة الرمادية أو تظن أنها بمنأى عن الشرر المتطاير؛ فالتداعيات الإقليمية تحضر بثقلها المباشر على أكثر من جبهة:
1- الأمن القومي وحدة متكاملة: الأمن الإقليمي حبل سرّي متصل؛ فاستقرار الجوار مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمآلات الصراع على الأرض، وكل اهتزاز في الخاصرة الرخوة ينعكس فوراً على الحدود، والتدفقات السكانية، والاستقرار الداخلي.
2- الاختبار الأخلاقي والسياسي: تجد دول الجوار نفسها مرغمة على مغادرة سياسة الحياد السلبي، لتخضع لاختبارات قاسية في مواقفها التاريخية وإرادتها السياسية، ومدى قدرتها على حماية سيادتها ومصالحها العليا بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
3- الأزمات الإنسانية والاقتصادية: تتسع رقعة التداعيات لتشمل ضغوطاً هائلة على البنى التحتية، وتعثراً في سلاسل الإمداد الإقليمية، وتكلفة باهظة في إدارة ملفات النزوح واللجوء.
ثانياً: تداعيات الحرب على المشهد الدولي.. معادلات البحر الأحمر وسقوط الهيمنة
أما على مستوى القوى الكبرى والمسرح الدولي، فإن الحرب في الميادين المشتعلة تُعد مخبراً حقيقياً لإعادة هندسة التوازنات العالمية وسقوط أوهام القطب الواحد:
– السيادة البحرية وتأمين الملاحة: لقد أثبتت التطورات الميدانية أن صنعاء أحكمت سيطرتها الكاملة على مضيق باب المندب، وهي تنظم حركة السفن والملاحة الدولية بسلاسة ويسر، مؤكدة أن الملاحة آمنة ومحمية بفضل الله ثم بفضل الجاهزية العالية. وفي المقابل، فإن من يحاول عسكرة مياه البحر الأحمر — كتلك المساعي التي يقودها النظام السعودي وتحالفاته، والمواقف المشتراة، واستئجار الجيوش كما هو الحال مع مصر السيسي — سيكون أول المتضررين من الفوضى في مياه البحر الأحمر؛ ذلك أن اليمن قد عمل على تأمين مياهه الإقليمية وباب المندب بدفاعات حصينة وقوية لا يتوقعها الأعداء، وستفاجئ المعتدين بما لم يكون في حسبانهم.
– تعرية المعايير المزدوجة: تُسقط الحروب الكبرى أوراق التوت عن المؤسسات الدولية ومنظومة القوانين الأممية، كاشفة عن عجزها التام وانحيازها السافر لميزان القوة لا لميزان العدالة، مما يغذي قناعة الشعوب الحرة بضرورة الاعتماد على الذات وبناء القوة لا على وعود المجتمع الدولي الزائفة.
– إعادة رسم خطوط التجارة والطاقة: تؤكد بؤر الصراع الحساسة – ولا سيما المرتبطة بالممرات المائية الدولية ومضائق الإمداد – أن أمن الطاقة العالمي والتجارة الدولية رهينان باستقرار مناطق النزاع، وأن أي عبث في هذه الجغرافيات يزلزل اقتصادات عظمى ويُسقط حكومات وبورصات.
– تآكل الأحادية القطبية: تُسرّع الحروب والمواجهات الحاسمة من ولادة نظام دولي متعدد الأقطاب، حيث تفقد القوى التقليدية احتكارها لقرار الحرب والسلم، وتبرز إرادات صلبة ومستقلة تقلب الطاولة على حسابات الاستعمار الجديد وأجنداته المهيمنة.
خاتمة المطاف
إن الحرب في جوهرها ليست مجرد طلقات تُطلق في ميدان ضيق، بل هي مخاض عسير لولادة نظام عالمي جديد. وحين يُصاغ هذا المخاض بعرق المرابطين ودماء الأحرار، فإنه يغير بوصلة التاريخ، ويفرض على الإقليم والعالم احترام إرادة شعوب أبت الانكسار، وأثبتت أن قوة الحق والإرادة الصلبة قادرة دائماً على إعادة صياغة الخرائط وتصحيح مسار التاريخ.




