العقيدة والوطن.. بين واجب المواجهة وضرورة الهجرة..!
ضياء أبو معارج الدراجي ||

لا يمكن فهم العلاقة بين العقيدة والوطن من دون النظر إلى طبيعة المرحلة والظروف التي يعيشها الإنسان، ومدى قدرته على حماية عقيدته وأرضه. فالعقيدة لا تعني الاستسلام، والوطن لا يعني التمسك بالأرض مهما كان الثمن. هناك فرق بين مرحلة القوة ومرحلة الضعف، ولكل منهما موقف تفرضه مسؤولية الحفاظ على الدين والإنسان والوطن.
فعندما تكون قوياً وقادراً على مواجهة الخطر، يصبح الدفاع عن العقيدة والوطن واجباً، لأن ترك الأرض للعدوان يعني تسليمها لمشروع يريد تدمير المجتمع وتغيير هويته. أما عندما تكون ضعيفاً ولا تمتلك القدرة على المواجهة، فإن الهجرة تصبح وسيلة لحماية العقيدة والإنسان، بدلاً من الدخول في معركة غير متكافئة قد تنتهي باستئصال وجودك.
وهذا ما نجده في السيرة النبوية. فعندما اشتد الاضطهاد على المسلمين في مكة، ولم تكن لديهم القدرة على مواجهة قريش، وجّههم الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) إلى الهجرة نحو الحبشة، حفاظاً على دينهم وعقيدتهم. لم تكن الهجرة هزيمة أو تخلياً عن الوطن، وإنما كانت قراراً لحماية الجماعة المؤمنة من الاضطهاد والاستئصال.
ثم جاءت هجرة الرسول (صلى الله عليه وآله) من مكة إلى المدينة، لتكون بداية مرحلة جديدة في بناء المجتمع والدولة. فقد انتقلت الدعوة من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة امتلاك القوة، وأصبحت لديها قاعدة تستطيع من خلالها حماية الرسالة ومواجهة الأخطار.
وهنا يتضح أن المنهج النبوي لم يكن قائماً على المواجهة في كل الظروف، ولا على الهجرة في كل الظروف، بل كان يتعامل مع الواقع وفق القدرة والإمكانات، فالضعف له حساباته، والقوة لها مسؤولياتها.
وهذا المنهج لم يتوقف عند الرسول الأكرم، بل استمر مع الأئمة من أهل بيته (عليهم السلام)، ولكل إمام موقف فرضته ظروف عصره.
فعندما توفي الرسول (صلى الله عليه وآله)، واجه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) واقعاً جديداً بعد انتقال السلطة إلى الخلفاء الأوائل. ورغم اعتقاده بأحقيته بالخلافة، لم يذهب إلى مواجهة تؤدي إلى تمزيق كيان الإسلام في بداياته، وفضّل الصبر حفاظاً على وحدة المسلمين وبقاء الدين، وقد عبّر عن ذلك في نهج البلاغة حين أشار إلى أنه يخشى أن يرى في الإسلام ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به أعظم من فوات الولاية.
لكن عندما تسلّم السلطة وأصبح مسؤولاً عن الدولة، لم يتردد في مواجهة التمرد والانحراف، وخاض معارك الجمل وصفين والنهروان دفاعاً عن الدولة ومبادئها.
أما الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، فقد وجد نفسه أمام واقع مختلف، اختل فيه ميزان القوة، وتفكك جيشه، وتعرضت جبهته للاختراق، فاختار الصلح مع معاوية حفاظاً على ما تبقى من أصحابه وشيعته وحقناً لدماء المسلمين. ولم يكن الصلح تخلياً عن العقيدة، وإنما كان قراراً فرضته ظروف المرحلة وموازين القوة.
وجاء الإمام الحسين (عليه السلام) في مرحلة لم يعد فيها الصمت أو المساومة يحفظان جوهر الرسالة، فرفض مبايعة يزيد، وغادر المدينة إلى مكة، ثم اتجه نحو العراق. لم يكن مستعداً لمنح الشرعية لسلطة يرى أنها تهدد الإسلام وقيمه، فاختار المواجهة رغم قلة الناصر، وكانت كربلاء موقفاً لحماية العقيدة من التحريف، وليس مجرد معركة عسكرية.
وقد عبّر عن هدفه بقوله: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي».
أما الأئمة من بعده (عليهم السلام)، فقد اختلفت وسائلهم في حماية العقيدة بحسب ظروف القوة والاستضعاف. فالإمام زين العابدين واجه مرحلة ما بعد كربلاء بالتوعية وكشف حقيقة ما جرى، فيما أسس الإمامان الباقر والصادق (عليهما السلام) مدرسة علمية وعقائدية حفظت علوم أهل البيت ونقلتها إلى الأجيال. أما بقية الأئمة، فقد واجهوا السجون والإبعاد والإقامة الجبرية، واستمروا في أداء دورهم وحفظ ارتباط الأمة بعقيدتها رغم كل تلك الظروف.
وفي العراق، نرى مثالاً معاصراً لهذا المنهج بعد سقوط الموصل عام 2014، عندما تمدد تنظيم داعش وسيطر على المدن وهدد الدولة والمجتمع، حاملاً مشروعاً تكفيرياً يستهدف الإنسان وهويته الدينية والاجتماعية، ولا يترك مجالاً للتعايش مع الآخر.
في تلك المرحلة، لم يكن أمام العراقيين خيار التراجع، فجاءت فتوى الدفاع الكفائي لتضع مسؤولية الدفاع عن البلاد ومقدساتها ومواطنيها في مقدمة الأولويات. وانخرط العراقيون بمختلف انتماءاتهم في مواجهة التنظيم وتحرير المدن والأراضي التي احتلها.
وهنا أثبتت العقيدة أنها ليست مجرد انتماء أو شعارات، بل موقف ومسؤولية وتضحية عندما يصبح الوطن مهدداً.
لكن هناك مسألة أخرى تستحق التوقف عندها: هل تعني العقيدة أن نحارب الدول والشعوب التي تشاركنا العقيدة نفسها بحجة الوطنية والحدود الجغرافية؟
الجواب: لا.
فالوطنية لا تعني معاداة من يشترك معك في العقيدة، كما أن وحدة العقيدة لا تعني إلغاء الأوطان أو الانتقاص من سيادتها. إنما تعني أن الاختلاف في الحدود والجغرافيا لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة بين الشعوب التي تجمعها روابط دينية وعقائدية.
فالعراق وإيران ولبنان واليمن وغيرها من البلدان التي تجمع شعوبها روابط عقائدية، وخصوصاً الولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، ليست مضطرة إلى تحويل اختلافاتها السياسية إلى صراع ديني أو عداء بين شعوبها. بل إن هذه الروابط يمكن أن تكون أساساً للتعاون والتكامل والتضامن في مواجهة الأخطار المشتركة.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور الإيراني في دعم قوى وشعوب المنطقة، ومن ذلك وقوفها إلى جانب العراق في مواجهة داعش، ودعمها للبنان واليمن في مراحل المواجهة. ويمكن النظر إلى هذا الدعم من زاوية وحدة العقيدة والمصير المشترك، بعيداً عن اختزال كل علاقة بين الدول بمفهوم التبعية أو الصراع على النفوذ، مع بقاء حق كل دولة في سيادتها ومصالحها الوطنية.
فالمشكلة ليست في التعاون بين الدول التي تجمعها عقيدة واحدة، وإنما في تحويل الوطنية إلى مبرر للعداء مع الآخر، أو تحويل العقيدة إلى مبرر لإلغاء خصوصية الأوطان وسيادتها.
إن العلاقة الصحيحة بين العقيدة والوطن لا تقوم على التناقض، ولا على التبعية، وإنما على معرفة متى تكون المواجهة واجباً، ومتى يكون الصبر ضرورة، ومتى تكون الهجرة وسيلة لحماية الإنسان وعقيدته، ومتى يكون التعاون بين الشعوب ضرورة لحماية مصالحها ووجودها.
وهذا هو الدرس الذي نقرأه في سيرة الرسول وأهل بيته عليهم افضل الصلاة والسلام؛ فليس كل موقف يحتاج إلى سيف، وليس كل ضعف يعني الاستسلام، وليس كل صلح تنازلاً عن المبدأ.
حين نمتلك القوة ندافع عن الوطن والعقيدة، وحين نُستضعف نحافظ على عقيدتنا ووجودنا، وحين تجمعنا وحدة المبدأ نتكامل ونتآزر، لأن الأوطان قد تختلف حدودها، لكن العقيدة رابط التعاون في صد الاعداء داخل وخارج حدود الوطن.
ضياء ابو معارج الدراجي




