فتنة العقيدة والوطن..!
المحامي . د . عبد الحسين الظالمي ||

تعيش الساحة الفكرية جدلا حول من يسبق من ؟ قبل البدء لابد من توضيح لهذه المفاهيم
وما المقصود بها .
أولاً: ما مفهوم العقيدة؟
1. العقيدة لغةً
العقيدة مشتقة من العَقْد، وهو الربط والإحكام والتوثيق. ويُقال: اعتقد الإنسان أمراً، أي آمن به وآمن بصحته واستقر في نفسه.( الوسيط )
2. العقيدة اصطلاحاً
العقيدة هي مجموعة الأفكار والمعتقدات والمسلّمات التي يؤمن بها الإنسان، ويستقر عليها وجدانه وعقله، ويتخذ منها أساساً لفهم الحياة وتحديد موقفه من الوجود والإنسان والقيم.( الوسيط ).
وقد تكون العقيدة دينية، تقوم على الإيمان بالله والرسالات والغيبيات، وقد تكون فكرية أو فلسفية أو أيديولوجية، تقوم على مجموعة من التصورات والمبادئ التي تفسر العالم وتحدد ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع.( الوسيط ) .
3. ما وظيفة العقيدة في حياة الإنسان؟
تؤدي العقيدة وظائف متعددة، أهمها:
• تفسير الوجود: تقديم إجابات عن أسئلة الإنسان المتعلقة بالحياة والكون والمصير.
• تحديد القيم: المساهمة في تحديد ما يراه الإنسان خيراً أو شراً، وعدلاً أو ظلماً.
• توجيه السلوك: التأثير في قرارات الإنسان وممارساته الفردية والاجتماعية.
• تشكيل الهوية: الإسهام في تحديد انتمائه الفكري والديني والثقافي.
• توفير الدافع: منح الإنسان أسباباً معنوية للدفاع عن المبادئ التي يؤمن بها.
لكن ينبغي التمييز بين العقيدة والسلوك؛ فالإيمان بمبدأ معين لا يعني بالضرورة أن الإنسان يطبقه في حياته، إذ قد توجد فجوة بين ما يعتقده الفرد وما يمارسه فعلياً.
مثال: قد يؤمن شخص بالعدالة، لكنه يتصرف بطريقة ظالمة. وهذا يعني أن الإيمان بالعدالة بوصفها مبدأً لا يكفي وحده لضمان الالتزام بها سلوكياً.
ثانياً: ما مفهوم الوطن؟
1. الوطن لغةً
الوطن هو المكان الذي يقيم فيه الإنسان ويتخذه مستقراً له، ويشعر بالانتماء إليه.
2. الوطن اصطلاحاً
الوطن هو الحيز الجغرافي والتاريخي والاجتماعي الذي يرتبط به الإنسان من خلال الانتماء والهوية والذاكرة المشتركة، وتقوم فيه حياة الجماعة ومؤسساتها السياسية والاجتماعية، وتترتب على الانتماء إليه حقوق وواجبات.( الوسيط )
ولا يقتصر مفهوم الوطن على الأرض وحدها، بل يتضمن مجموعة من العناصر المتداخلة:
1. الأرض: المجال الجغرافي الذي يعيش عليه أبناء الوطن.
2. الشعب: الجماعة البشرية التي ترتبط به بروابط تاريخية واجتماعية.
3. التاريخ والذاكرة المشتركة: الأحداث والتجارب التي تسهم في تكوين الهوية الوطنية.
4. الثقافة: اللغة والعادات والتقاليد والقيم والموروث الحضاري.
5. المؤسسات والنظام السياسي: الأطر التي تنظم شؤون المجتمع وتحمي الحقوق وتحدد الواجبات.
6. المواطنة: العلاقة القانونية والسياسية التي تربط الفرد بالدولة، بما تتضمنه من حقوق وواجبات.
ولذلك من المهم علمياً التمييز بين الوطن والدولة؛ فالوطن مفهوم أوسع من مجرد المؤسسات السياسية، في حين تشير الدولة، في معناها القانوني والسياسي، إلى كيان يقوم على إقليم وشعب وسلطة سياسية ذات سيادة، وفقاً لقواعد القانون الدولي.
3. هل الوطن مجرد أرض؟
ليس الوطن مجرد مساحة جغرافية؛ فالأرض تكتسب معناها الوطني من ارتباط الإنسان بها وبمجتمعه وتاريخه ومصالحه المشتركة.
وقد يعيش الإنسان بعيداً عن وطنه، لكنه يظل مرتبطاً به من خلال ذاكرته وثقافته وانتمائه القانوني والاجتماعي.
لذلك نقول ان حب الوطن لا يعني بالضرورة تأييد كل حكومة تتولى إدارته، لأن (الوطن باقٍ، بينما الحكومات والأنظمة السياسية قابلة للتغير )خصوصا من تبتعد منها عن العدل والانصاف .
ومن هنا يمكن التمييز بين ثلاثة مفاهيم:
• الوطن: الأرض والمجتمع والتاريخ والانتماء.
• الدولة: الكيان السياسي والقانوني الذي ينظم شؤون المجتمع.
• الحكومة: السلطة التنفيذية والسياسية التي تتولى إدارة الدولة خلال مدة معينة.
وهذا التمييز ضروري حتى لا يُخلط بين الولاء للوطن وتأييد سلطة سياسية بعينها وغالبا ما تكون السلطة سببا في فتنة العقيدة والوطن وتضع الفرد اما خيارين احلاهن مر . فاالارض لا تعادي البشر بقدر ما تعاديه السلطات او الظروف الطبيعية
او الحوادث الاجتماعية .
ثالثاً: ما العلاقة بين العقيدة والوطن؟
العلاقة بين العقيدة والوطن من الموضوعات المهمة في الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع السياسي، ويمكن تحليلها من خلال ثلاثة أبعاد:
1. العقيدة بوصفها مصدراً للانتماء
قد تمنح العقيدة الإنسان منظومة من القيم التي تؤثر في نظرته إلى الوطن وواجباته تجاه المجتمع.
فإذا كانت العقيدة تؤكد العدل والتكافل وحماية الإنسان، فقد تسهم في تعزيز المسؤولية الاجتماعية والوطنية.
لكن العقيدة لا تؤدي بالضرورة إلى نمط واحد من السلوك السياسي؛ إذ قد يختلف الأفراد في تفسير المعتقدات نفسها وفي كيفية تطبيقها على الواقع.
2. الوطن بوصفه إطاراً مشتركاً للتنوع
قد يضم الوطن مواطنين ينتمون إلى عقائد دينية ومذاهب وتيارات فكرية مختلفة.
وفي هذه الحالة، لا يتطلب الانتماء الوطني أن يتخلى المواطن عن عقيدته الخاصة، بل يتطلب وجود إطار مشترك يحفظ حقوق الجميع، ويضمن المساواة أمام القانون، ويمنع تحويل الاختلاف الفكري أو الديني إلى مبرر للتمييز.( الطائفية او القومية والتميز العنصري ).
ومن هذا المنظور، فإن المواطنة لا تلغي الخصوصيات العقائدية، وإنما تنظم التعايش بينها ضمن مجتمع سياسي واحد.يحكمه العدل والانصاف وتتوفر اركان العيش ( الصحة والامان والسكينة
3. متى تتوافق العقيدة مع المصلحة الوطنية، ومتى يحدث التعارض؟
يمكن للعقيدة أن تعزز المصلحة الوطنية عندما تدفع إلى احترام القانون، ومقاومة الفساد، وحماية المجتمع، وتحقيق العدالة.ونبذ التميز والفرقة ،ج
وقد يظهر التعارض عندما تُفسَّر العقيدة بطريقة تجعل الانتماء الفرعي مقدماً على حقوق المواطنين الآخرين، أو عندما تُستخدم المعتقدات لتبرير التمييز أو الإضرار بالمصلحة العامة.( الطائفية )
لكن من الضروري ألا نفترض أن العقيدة تتعارض مع الوطن بطبيعتها، أو أن الانتماء الوطني( القومية او العنصرية ) يتعارض بالضرورة مع الانتماء الديني؛ فالعلاقة بينهما تتوقف على طبيعة المعتقدات، وكيفية تفسيرها، والإطار السياسي والقانوني الذي ينظم المجتمع.
رابعاً: هل العقيدة مقدمة على الوطن أم الوطن مقدم على العقيدة؟
هذا سؤال فلسفي وسياسي مهم، ولا يمكن الإجابة عنه بصورة مطلقة من دون تحديد المقصود بالعقيدة والوطن ونوع المسألة المطروحة.
يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات:
المستوى العقيدة الوطن
المستوى الوجودي والفكري تقدم تصوراً عن الوجود والإنسان والحياة يمثل المجال الذي يعيش فيه الإنسان ويمارس حياته
المستوى الاجتماعي تؤثر في القيم والسلوك والانتماءات يوفر إطاراً مشتركاً لتنظيم العلاقات بين المواطنين
المستوى السياسي والقانوني قد تؤثر في المواقف والاختيارات السياسية يحدد إطار المواطنة والحقوق والواجبات وفقاً للدستور والقانون
فالعقيدة تجيب، بالنسبة إلى المؤمن بها، عن أسئلة تتعلق بالإيمان والقيم والغاية من الحياة، بينما يرتبط الوطن بالانتماء إلى مجتمع معين وبالمسؤولية عن أمنه واستقراره ومستقبله.
أما سياسياً، فإن بناء الدولة على أساس المواطنة المتساوية يقتضي ألا تُنتقص الحقوق القانونية لأي مواطن بسبب اختلاف عقيدته، وأن تُمارس المعتقدات في إطار يحترم حقوق الآخرين والنظام القانوني.
والخلاصة هنا أن المفاضلة بين العقيدة والوطن ليست دائماً مفاضلة بين نقيضين؛ فقد يتكامل الانتماء العقائدي والانتماء الوطني، وقد ينشأ التعارض في حالات معينة نتيجة اختلاف التفسيرات أو المصالح أو التصورات السياسي.( فقد يهجر الانسان الوطن عندما يتحول الى مقبرة او سجن كبير[ الدكتاتورية ) ، وقد يهجر الانسان الموطن عندما تتحول العقائد الى محرقة تحرق الاخضر واليابس [ الطائفية ] وقد يهجر الانسان الوطن عندما يتحول الوطن الى تطهير عرقي قومي عنصري ] ويهجر الانسان الوطن عندما تغضب السماء [ كوارث ].
خامساً: خلاصة فكرية
يمكن صياغة المفهومين بصورة مركزة على النحو الآتي:
العقيدة: منظومة من المعتقدات والمبادئ التي يؤمن بها الإنسان، وتؤثر في تفسيره للوجود وتحديده للقيم ومواقفه من الحياة والمجتمع.
الوطن: كيان جغرافي وتاريخي واجتماعي يرتبط به الإنسان من خلال الانتماء والهوية والمصالح المشتركة، وتُنظَّم فيه العلاقات السياسية والقانونية بين المواطنين.
أما العلاقة بينهما، فيمكن التعبير عنها بالقول:
العقيدة تحدد جانباً من منظومة القيم التي يسترشد بها الإنسان، والوطن يمثل المجال المشترك الذي يعيش فيه مع الآخرين، وتتمثل مسؤولية المجتمع السياسي في تنظيم هذا التنوع بما يحفظ الكرامة الإنسانية والحقوق والواجبات والمصلحة العامة.
ملاحظة مهمة : لا يُقاس صدق الانتماء الوطني بمجرد الشعارات، كما لا يُقاس الالتزام بالعقيدة بمجرد الادعاء؛ بل ينبغي النظر إلى السلوك والآثار العملية، مثل احترام حقوق الآخرين، والالتزام بالمسؤولية، وتحقيق العدالة، وصيانة المصالح العامة . لذلك نرى ان الجواب على ذلك
يتطلب مراجعه فكرية لمن يريد الجواب على هذا السوال ومدى تجرده من هذا الانتماء.
رغم كون السؤال ناقص. فالوطن واضح اما العقيدة فتحتاج الى تحديد هل هي العقيدة الدينية ؟. ام مجرد المنظومة الفكرية للفرد وبالتالي يختلف الجواب وتبقى الخلاصة في محطتين الاولى ( الواقع يشير ان العظماء من هجروا الاوطان في سبيل عقائدهم وليس العكس ). والثانية ( العقيدة الصحيحة والوطن الذي يحتضن بحق ابنائه بالعدل والانصاف لايوجد تعارض بينهم وهم يشكلان البناء وسقفه ) .وفي كل الحالات يبقى الوطن هو ضحية سياسة منحرفة او عقيدة منحرفة او سلوك منحرف يؤدي الى كوارث طبيعية واجتماعية .




