هل انتهى زمن تشرين أم انتهت صلاحية شعاراتها؟!
✍️ د. ماجد الشويلي ||
2026/10/25

قد يرى بعضهم أن حراك تشرين ثورة، ويتعاملون مع إحيائه على هذا الأساس، رغم أنه لا يستوفي شروط الثورة، لا وفق المقاييس الأكاديمية المعتمدة، ولا بحسب المعايير السياسية المتعارف عليها عالميًا. ومع ذلك، يبرز سؤال جوهري ؛ هل يُعقل أن تختزل مطالب تشرين في شعار (إيران برّه برّه)، وكأن هذا الشعار هو جوهر الحراك وهدفه الأساسي، رغم ما يحيط به من إشكالات سياسية وواقعية، وما يفتقر إليه من مبررات مقنعة؟
ويزداد هذا التساؤل إلحاحًا إذا ما وضعنا هذا الشعار في سياق المشهد الإقليمي الراهن، ولا سيما بعد خروج أكثر من عشرة ملايين مشيّع لتشييع جثمان الشهيد الإمام الخامنئي(رض) ، وهو رقم لا يمكن لحركة تشرين أن تحشّد مثله، حتى لو امتدت محاولاتها الى عشر سنوات أخرى.
فضلًا عن ذلك، فإن إيران تتعرض لعدوان وتهديد وجودي من قوى عالمية تسعى إلى إضعافها وإخضاعها، في ظل موقفها المبدئي الداعم للقضية الفلسطينية، ومساندتها لأهل غزة ولبنان واليمن، الذين تعرضوا، ولا يزالون، لأشكال متعددة من الظلم والعدوان. ومن هذا المنطلق، فإن إيران تخوض مواجهة تتجاوز حدودها الوطنية، لتلامس قضايا السيادة والتحرر ومقاومة الهيمنة في المنطقة برمتها ونيابة عن كل العالم بأسره . ومن ثم، فإن الرهان على شعارات من قبيل (إيران برّه برّه)، واجترار خطاب عفا عليه الدهر ، يبدو رهانًا عديم الجدوى، لا سيما في ظل التحولات التي شهدتها المنطقة، وتبدّل أولويات قطاعات واسعة من الرأي العام فيها.
ومن العوامل المؤثرة في تحديد فاعلية حراك تشرين هذا العام أن موازين القوى السياسية في العراق قد انقلبت رأسًا على عقب، وأن الظروف التي نشأ فيه الحراك لم تعد هي ذاته اليوم.
فحكومتا الكاظمي والسوداني لم تشهدا اعتراضًا أو شجبًا بحجم ما يُفترض أن تثيره سياساتهما من شجب وفقًا لمعايير تشرين، ولم نشهد تحركًا احتجاجيًا مؤثرًا ضدهما. وهنا يبرز هذا السؤال المشروع ؛
لماذا لم تتحرك تشرين بالفاعلية ذاتها تجاه تلك الحكومات، ولماذا لم تكن مواقفها متناسبة مع الشعارات التي رفعتها؟
أما اليوم، فقد اختلفت المعادلة السياسية كثيرًا. فإذا كانت تشرين تستند إلى رفض النفوذ الإيراني والدعوة إلى إبعاد إيران عن العراق، فإن المنطق الذي تتبناه يقتضي، وفق هذا المعيار، ألّا تقف بالضرورة ضد حكومة الزيدي البعيدة عن إيران بشكل كبير وواضح أساسًا . فكيف يستقيم أن يتحول الموقف من الحكومة إلى معيار للاحتجاج، فيما يُفترض أن يكون المعيار هو مدى استقلال القرار العراقي، وحجم التدخلات الخارجية، وموقف الحكومة منها؟
وفي المقابل، يبدو أن القوى السياسية المحسوبة على إيران باتت تمتلك اليوم مبررات للاحتجاج أقوى من مبررات أنصار تشرين، بل تفوقها ، فهذه القوى تستطيع أن ترفع شعارات تتصل مباشرة بسيادة العراق، ورفض الهيمنة الأميركية، وصيانة استقلالية قراره السياسي والأمني والمالي ، وهي شعارات تبدو أكثر التصاقًا بمفهوم السيادة الوطنية اليوم من شعار (إيران برّه برّه).
فالعبرة في مدى انسجام الخطاب الاحتجاجي مع مبدأ السيادة الوطنية، وفي قدرة أصحابه على تطبيق معاييرهم على جميع الحكومات والقوى السياسية، من دون انتقائية أو ازدواجية في المواقف كما فعلت تشرين.
لذا فإن جانبًا كبيرًا من معاناة العراق السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، فضلًا عن تداعياتها الاجتماعية، يرتبط بالتدخلات الأميركية والإسرائيلية وسياساتهما في المنطقة. وعليه، فإن المطالبة بإنهاء الهيمنة الأميركية، واستعادة القرار العراقي المستقل، تبدو أكثر اتساقًا مع مقتضيات السيادة الوطنية من اختزال المشهد كله في شعار يستهدف إيران من دون مبررات منطقية.
إن جوهر الإشكالية هنا لا يتعلق بمجرد توصيف تشرين بأنها ثورة أو حراك احتجاجي، بقدر ما يتعلق بمدى اتساق خطابها مع واقع العراق، وبقدرتها على تجاوز الشعارات الجاهزة إلى تبنّي مشروع وطني واضح، تُقاس مواقفه بمعيار واحد، هو استقلال العراق وسيادة قراره عن الهيمنة الامريكية.




