من كاتانغا إلى ميسان: عندما يتحول الخلاف المحلي إلى تهديد لوحدة الدولة..!
محمد عبد الجبار الشبوط ||

في الحادي عشر من تموز عام 1960، أعلن مويس تشومبي انفصال إقليم كاتانغا عن جمهورية الكونغو، بعد أقل من أسبوعين على استقلالها عن الاستعمار البلجيكي، ليدخل بلاده في أزمة سياسية وعسكرية خطيرة أصبحت واحدة من أبرز الأزمات التي واجهت الدولة الكونغولية في بداية استقلالها. ولم يكن تشومبي يتحدث عن مشكلة إدارية عابرة، وإنما تصرف كما لو أن الإقليم الذي يتولى قيادته ملكية سياسية خاصة يستطيع اقتطاعها من الدولة متى شاء. وقد انتهت مغامرته الانفصالية عام 1963، لكن اسمه بقي مرتبطًا في التاريخ السياسي بمحاولة تمزيق وحدة دولة حديثة الاستقلال.
بعد ستة وستين عامًا تقريبًا، وفي العراق هذه المرة، يخرج رئيس مجلس محافظة ميسان، مصطفى دعير، مهددًا بفصل المحافظة عن العراق إذا لم تستجب الحكومة الاتحادية لمطلب إعادة فتح منفذ الشيب الحدودي مع إيران. وبحسب التصريحات المنقولة عنه، فقد منح الحكومة مهلة ثلاثة أيام، ولوّح بالعصيان المدني وقطع الطرق، ثم تجاوز ذلك كله إلى التهديد بفصل المحافظة عن جسد الدولة العراقية.
إن المقارنة بين الحادثتين لا تعني التماثل بين ظروف الكونغو عام 1960 والعراق عام 2026، ولا تعني أن تهديدًا لفظيًا يساوي حركة انفصالية مسلحة، لكنها تكشف عن منطق سياسي مشترك يستحق الوقوف عنده، وهو الاعتقاد بأن المسؤول المحلي يستطيع تحويل الإقليم أو المحافظة التي يتولى إدارتها إلى ورقة ضغط على الدولة، وكأن وحدة الوطن ليست حقيقة دستورية وسياسية وتاريخية تعلو على المنازعات المحلية، وإنما امتياز قابل للمساومة والتفاوض.
إن محافظة ميسان ليست ملكًا لرئيس مجلسها، ولا ملكًا لمجلس المحافظة، ولا حتى كيانًا منفصلًا عن الدولة العراقية يمكن إخراجه منها بقرار محلي. إنها جزء من العراق، وأهلها مواطنون عراقيون، وحقوقهم ومصالحهم وكرامتهم مصونة في إطار الدولة العراقية، وليس من حق أي مسؤول، مهما كان منصبه، أن يتصرف بوحدة البلاد كما يتصرف صاحب العقار بملكيته الخاصة.
ومن حق أبناء ميسان أن يعترضوا على إغلاق منفذ الشيب، وأن يطالبوا الحكومة بتفسير قرارها، وأن يحتجوا على الأضرار الاقتصادية التي قد تلحق بهم، وأن يستخدموا الوسائل القانونية والسلمية المتاحة للدفاع عن مصالحهم. بل إن من واجب الحكومة الاتحادية أن توضح الأسباب التي دفعتها إلى إغلاق المنفذ، وأن تبيّن ما إذا كانت هناك ضرورات أمنية أو اقتصادية تبرر استمرار الإغلاق، وأن تبحث عن حلول تمنع الإضرار بمصالح المواطنين. لكن شيئًا من ذلك لا يمنح رئيس مجلس المحافظة حق التهديد بفصل جزء من العراق عن العراق.
وهنا تكمن خطورة التصريح، فهو لا يمثل مجرد انفعال سياسي يمكن تجاوزه باعتذار عابر، وإنما يطرح سؤالًا عن طبيعة الوعي بالدولة لدى بعض من يتولون مناصب المسؤولية فيها. فالمسؤول الذي لا يميز بين صلاحياته المحلية وسيادة الدولة، ولا يدرك الفرق بين الاحتجاج على قرار حكومي والتهديد بوحدة البلاد، يكشف عن خلل في فهم العلاقة بين السلطة والمؤسسة والوطن.
إن الدولة ليست تجمعًا مؤقتًا من المحافظات تتوقف وحدتها على رضا رؤساء مجالسها عن قرارات الحكومة، وليست شركة مساهمة يستطيع أحد الشركاء الانسحاب منها عندما تختلف مصالحه مع الإدارة المركزية. الدولة إطار دستوري جامع، ووجودها واستمرارها ليسا موضوعًا للمساومة في نزاع حول منفذ حدودي، مهما بلغت أهمية هذا المنفذ الاقتصادية والاجتماعية.
وقد نص الدستور العراقي في مادته الأولى على أن جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، وأن الدستور ضامن لوحدة العراق. ومن المفارقات أن المسؤول الذي يستمد سلطته من النظام الدستوري العراقي يلوّح بما يتعارض مع الأساس الذي يمنحه هذه السلطة. فمجلس المحافظة ليس برلمان دولة مستقلة، ورئيسه ليس رئيس جمهورية، والمحافظة ليست إقليمًا ذا سيادة، ولا يوجد في الدستور العراقي ما يمنح أيًا منهم سلطة تقرير الانفصال عن العراق.
ومن منظور الفلسفة الحضارية، تكشف هذه الواقعة عن خلل أعمق في العلاقة بين الدولة والمجتمع والسلطة. فالدولة الحضارية الحديثة لا تقوم على مجرد وجود دستور ومؤسسات وانتخابات ومجالس محلية، وإنما تقوم أيضًا على منظومة قيم عليا تجعل المصلحة العامة ووحدة الكيان السياسي وسيادة القانون فوق المصالح الجزئية والحسابات المحلية. وعندما تتحول المؤسسة المحلية من أداة لخدمة المواطنين إلى وسيلة للضغط على الدولة بالتهديد بتفكيكها، فإننا نكون أمام اختلال في وظيفة المؤسسة وفي الوعي بالقيم التي يفترض أن تحكم أداءها.
وليس من المقبول أن يتحول الانتماء الوطني إلى علاقة مشروطة بفتح منفذ حدودي أو إغلاقه، أو بصرف تخصيصات مالية أو تأخيرها، أو بالاستجابة لمطلب محلي أو رفضه. فهذه جميعًا قضايا سياسية وإدارية واقتصادية قابلة للنقاش والتفاوض والحل، أما وحدة الدولة فلا يجوز تحويلها إلى رهينة لهذه الخلافات.
إن أخطر ما في مثل هذه التصريحات ليس احتمال تنفيذها المباشر، وإنما أثرها في إضعاف هيبة الدولة وتطبيع لغة التهديد بالانفصال في الحياة السياسية. فإذا أصبح من المقبول أن يهدد رئيس مجلس محافظة بالانفصال بسبب منفذ حدودي، فما الذي يمنع مسؤولًا آخر من التهديد بالأمر نفسه بسبب الموازنة أو النفط أو التعيينات أو الخلاف على الصلاحيات؟ وكيف يمكن بناء دولة مستقرة إذا أصبحت وحدتها موضوعًا للابتزاز السياسي كلما نشأ خلاف بين الحكومة الاتحادية وإحدى مؤسساتها المحلية؟
ولذلك فإن هذه الواقعة تستدعي موقفًا مؤسسيًا واضحًا، لا يقوم على الانفعال أو الانتقام السياسي، وإنما على المساءلة القانونية والدستورية، والتحقق من التصريحات في سياقها الكامل، وتحديد ما إذا كانت تنطوي على مخالفة تستوجب اتخاذ الإجراءات المقررة قانونًا. كما تستدعي من القوى السياسية في ميسان ومن مجلس المحافظة نفسه توضيح موقفها من هذه اللغة، والتأكيد أن الدفاع عن مصالح المحافظة لا يمكن أن يكون على حساب وحدة العراق.
لقد عانى العراق طويلًا من ضعف المؤسسات وتغليب الولاءات الجزئية على الانتماء الوطني، ومن التعامل مع الدولة باعتبارها مجالًا لتقاسم النفوذ والمكاسب بدل النظر إليها بوصفها الإطار الجامع للمواطنة والمصلحة العامة. ولا يمكن الخروج من هذه الأزمة بإعادة إنتاج المنطق نفسه داخل المؤسسات المحلية، حتى لو اتخذ صورة الدفاع عن حقوق المواطنين.
إن ميسان أكبر من رئيس مجلسها، والعراق أكبر من جميع مسؤوليه، ووحدة البلاد ليست منحة يقدمها مسؤول محلي إلى الحكومة الاتحادية، ولا ورقة يسحبها من جيبه كلما أراد الضغط عليها.
لقد احتاجت الكونغو إلى سنوات من الصراع لإنهاء انفصال كاتانغا، وليس المطلوب أن ننتظر ظهور كاتانغا عراقية حتى ندرك خطورة التساهل مع خطاب التهديد بوحدة الدولة.
فليكن الخلاف على منفذ الشيب خلافًا على منفذ الشيب، لا خلافًا على بقاء ميسان جزءًا من العراق. فمن لا يعرف حدود صلاحياته، عليه أن يتعلمها قبل أن يتحدث عن حدود.




