الأحد - 25 اكتوبر 2026

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ.. منسورة النساء: 59..!

منذ ساعة واحدة
الأحد - 25 اكتوبر 2026

✍ السيد بلال وهبي  ||

 

بلال وهبي

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴿سورة النساء: 59﴾.

في المقالة السابقة عرضنا للجزء الأول من الآية الكريمة، فتكلمنا حول وجوب طاعة الله ورسوله وأولي الأمر، وذكرنا أن المقصود بأولي الأمر من منظور مدرسة أهل البيت الأطهار(ع) هم الذين نصبهم الله تعالى قادة للناس، ونصَّ عليهم رسول الله (ص)، فهؤلاء لهم الولاية الخاصة، وهناك من لهم الولاية العامة التي تتحدد وفق الأحكام والضوابط الفقهية. ففي عصر غيبة الإمام المعصوم، تثبت للفقهاء الجامعين للشروط من الولاية ما تدل عليه الأدلة المعتبرة، وفي حدود النيابة والاختصاصات التي يثبتها الدليل. ولا يعني ذلك مساواتهم بالإمام المعصوم في المرتبة أو الخصائص.

ومما لا شك فيه أن المجتمع الإنساني لا يمكنه أن يتطور ويبلغ غاياته إلا إذا كان له قائد رباني يقوده، ويوجِّه حركته، ويحفظ وحدته وانسجامه، ويكون مرجعيةً للفصل في النزاعات التي تنشأ بين أفراده أو بين توجهاتهم المختلفة.

ولهذا فإن القيادة من منظور القرآن الكريم يجب أن تكون حائزة على قابليات وصفات تؤهلها أن تؤدي تلك الأدوار، وهذا يقتضي أن تملك علمًا تفصيليًا بالدين عقيدة وشريعة ومنظومة أخلاقية كيما تتمكن من قيادة المجتمع على هدى من الدين، وهذا بدوره يقتضي أن يختارها الله، ولا يختارها الناس، لأنهم لا يحيطون معرفة بكنه الشخص ومؤهلاته، وتختلف شروط الولاية باختلاف نوعها، فالعصمة من خصائص الولاية الخاصة للإمام المعصوم، أما الولاية العامة للفقهاء فتتحدد شروطها وحدودها وفق الأدلة والمباني الفقهية المعتمدة، ومنها ما يتعلق بالعدالة والتقوى والكفاءة العلمية والعملية.

وإذا كانت القيادة تُعنى بتوجيه المجتمع وحفظ وحدته، فإن الاختلافات التي تنشأ بين أفراده تثير سؤالًا آخر: إلى أي مرجعية ينبغي أن يرجعوا عند التنازع، وما المنهج الذي يضبط حسم خلافاتهم؟

الآية الكريمة تجيب عن هذا السؤال، فتقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. والتنازع في المجتمع أمر طبيعي، ولو كان المجتمع مؤمنًا، وتحت قيادة ربانية، فأفراده ليسوا سواء ذهنيًا ونفسيًا، ولكل منهم رأيه وذوقه الخاص، وحاجاته واعتباراته الخاصة. فقد يقع التنازع في القضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وقد تختلف الآراء في تشخيص الوقائع أو تحديد الوسائل أو فهم الأحكام.

فمتى تنازع المؤمنون، وجب عليهم الرجوع إلى كتاب الله والمعصوم حال حضوره، وفي غيابه يرجعون إلى كتاب الله وسنة رسول الله (ص)، فهما المصدران المعصومان اللذان يستطيع المؤمنون من خلالهما الوقوف على الحق ليعملوا به، والانطلاق ضد الباطل ليجتنبوه، وذلك هو دليل الإيمان بالله واليوم الآخر. وفي الرؤية الإمامية يدخل في سُنَّة النبي ما ثبت عن الأئمة الأطهار (ع) من بيانٍ معتبر للكتاب والسنة وتفصيلٍ لأحكامهما.

وهنا تتجلى وظيفة المرجعية، سواء تجسدت في المعصوم، أو تجسدت في الفقيه الجامع للشرائط المعتبرة في الشريعة، وتتمثل في ألّا تترك اختلافات المجتمع خاضعة لأهواء الأفراد والجماعات أو لضغوط المصالح الشخصية، بل أن تردّها إلى أصول قررتها الشريعة، تضبط التفكير والعمل معًا.

الآية الكريمة تحدد المرجعية التي يُحتكم إليها، لكنها لا تدعو إلى أن يتوقف الإنسان عن التفكير في فهم الواقع أو استنباط ما يقتضيه الحكم منه. فالعقل والخبرة والمشاورة أدوات ضرورية في تشخيص الوقائع واختيار الوسائل، لكن لا ينبغي أن تتحول إلى مرجعيات مستقلة عن القيم والأحكام التي يؤمن بها المجتمع.كما أن الرجوع إلى الله والرسول لا يقتصر على المسائل الفردية، بل يشمل ما ينشأ من نزاع في شؤون الحياة العامة، بقدر ما اتصال تلك المسائل بالأحكام والمبادئ الشرعية.
وهكذا تجمع الآية بين أمرين متكاملين: مرجعية ثابتة يُرجع إليها عند الاختلاف، واجتهاد مسؤول في فهم الوقائع وتنزيل الأحكام عليها.

✍ السيد بلال وهبي 
فجر يوم الأحد الواقع في: 25/10/2026 الساعة (04:40)