الأحد - 25 اكتوبر 2026

وزارة الذكاء الاصطناعي: هل يحتاج العراق إلى حكومة تفكّر؟!

الأحد - 25 اكتوبر 2026

ضياء أبو معارج الدراجي ||

 

 

 

يسألني كثيرون: هل وزارة الذكاء الاصطناعي بديل عن الحكومة الإلكترونية؟ وجوابي المباشر: لا. هي الخطوة التي تأتي بعدها.
الحكومة الإلكترونية تنقل المعاملة من الورق إلى الشاشة. أما الذكاء الاصطناعي فيسأل عن المعاملة نفسها: لماذا تأخرت؟ وأين مكمن الخلل؟ وهل هناك تكرار أو تناقض في بياناتها؟ ثم يقترح ما يمكن تغييره. الأولى تنفّذ، والثاني يحلّل. وهو لا يعمل في فراغ، فمن دون بيانات منظمة ودقيقة ومحدّثة لن تنفعك أقوى الخوارزميات. جودة النتائج تبدأ من جودة البيانات، ولهذا تبقى الحكومة الإلكترونية هي الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء.
وأتحدث هنا من تجربة لا من نظرية. بدأ اهتمامي بالذكاء الاصطناعي عام 1993، حين درسته في المرحلة الرابعة بقسم علوم الحاسبات في كلية التربية بالجامعة المستنصرية. حاولت يومها أن أُدخل أفكاره في مشروعي الخاص بقواعد البيانات، وتحديداً في البحث عن الأسماء والعناصر المهمة. وخرجت من تلك التجربة بقناعة لازمتني: الحاسوب لا يكفي أن يخزّن المعلومة، بل ينبغي أن يوصلك إليها ويربطها بغيرها ويساعدك على فهم الواقع.
ومن هذه القناعة وُلد برنامج “المدير الإلكتروني” الذي عملنا عليه. فكرته أن يضع أمام المدير أو الوزير أو رئيس مجلس الوزراء المعلومات المتاحة مع عدة بدائل مقترحة، فيختار عن دراسة لا عن تقدير شخصي. كانت إمكانات ذلك الزمن محدودة، لكن الفكرة نفسها هي ما تقوم عليه اليوم أنظمة دعم القرار.
ثم جاءت سنوات عملي في مكتب رئيس الوزراء بين 2007 و2015، وهناك انتقلت الفكرة من التصور إلى التطبيق. لم أكن مجرد مستخدم لبرامج جاهزة، فقد صممتُ بنفسي قواعد البيانات، وصممتُ بنفسي برامج الذكاء الاصطناعي التي تعمل عليها. وكان هذا هو مفتاح النجاح: حين تصمّم قاعدة البيانات وأدوات تحليلها معاً، فأنت تبني البيانات من البداية على نحو يخدم التحليل، ولا تضطر لاحقاً إلى ترقيع نظام لم يُصمَّم لهذا الغرض. كنا نتعامل مع ملايين السجلات، وكان العمل الذي يحتاج أشهراً يُنجَز في ساعات. بهذه الطريقة كشفنا ازدواج الرواتب، وحوّلنا عناصر الصحوات إلى دوائر الدولة المدنية، وكشفنا حالات تزوير وتلاعب في معاملات عقود “بشائر الخير”، وكذلك خروقات الأجهزة القمعية المنحلة وجرائمها. كانت مرحلة لا تحتمل التأخير، وأدركت فيها أن الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات ضرورة إدارية وليس ترفاً. على أن شرطاً واحداً بقي ثابتاً لدينا: كل نتيجة تُراجَع بشرياً وتمرّ بالإجراءات القانونية قبل اعتمادها.
وأقولها بمرارة وصراحة: بعد تلك المرحلة، لم تدرك القيادات التي جاءت بعد المالكي، في تقديري، معنى الذكاء الاصطناعي ولا قيمة البرامج التي صممتها. فبقيت على الرف منذ عام 2015 إلى يومنا هذا، ولم تستفد الدولة من خبراتنا ولا من أنظمة كانت جاهزة وتعمل. والخسارة هنا أكبر من خسارة برنامج. فالمعرفة التي تُبنى على مدى سنوات، ثم تُهمل لأن أحداً لم يفهم قيمتها، تُدفع كلفتها مرتين: مرة حين تضيع، ومرة حين نعود فنبدأ من الصفر أو نستورد حلولاً جاهزة لا تعرف واقعنا. وهذا ما يجعل سؤال “هل نحتاج مؤسسة للذكاء الاصطناعي؟” سؤالاً عن الإرادة والفهم قبل أن يكون سؤالاً عن التقنية.
فماذا يمكن لهذه الأنظمة أن تفعل اليوم؟ تخيّل نظاماً لا يكتفي بعرض التقارير، بل يقارن البدائل ويبيّن كلفة كل منها ونتائجها المتوقعة ومخاطرها. وزير أمام أزمة خدمية أو موازنة يجد أمامه سيناريوهات واضحة بدل معلومات متفرقة تصله متأخرة. والقرار الأخير يبقى له. وفي مكافحة الفساد ومراقبة الإنفاق، حين تملك الدولة ملايين السجلات يصبح التدقيق اليدوي بطيئاً ومحدوداً. النظام الذكي يفحص الكميات الضخمة ويشير إلى السجلات المكررة والمعاملات غير المعتادة، ويترك للمُدقّق البشري ما يستحق التدقيق فعلاً. لكن لا بد من وضوح هنا: النمط المشبوه ليس دليل إدانة، هو مجرد مؤشر يُحال إلى الجهات الرقابية والقضاء. الأداة تساعدهم ولا تحل محلهم. وينطبق الشيء نفسه على المجال الأمني: تحليل المعلومات وربط السجلات وتصنيف الوثائق، بشرط حماية البيانات الحساسة وضبط صلاحيات الوصول وإخضاع الاستخدام لرقابة قانونية صارمة.
ولهذا كله نحتاج مؤسسة متخصصة. ففي العراق أساتذة جامعات ومبرمجون ومهندسون وباحثون يستطيعون إنجاز الكثير إذا وجدوا من يجمعهم ويمنحهم الإمكانات. المطلوب مؤسسة وطنية للذكاء الاصطناعي، أو وزارة مستقلة، تضع استراتيجية وتحدد الأولويات وتربط قواعد بيانات الدولة وتدرّب الكوادر وتتعاون مع الجامعات والقطاع الخاص. ومن أهم أدوارها ألا تتكرر قصة “الرف”: أن تحفظ الخبرات الوطنية وتحميها من الإهمال عند تبدّل المسؤولين. وأحذّر من أن تتحول إلى جهة تشتري برامج جاهزة من الخارج. أنا أتكلم من تجربة: ما أنجزناه في مكتب رئيس الوزراء صُمّم محلياً على قدر الحاجة العراقية. دور المؤسسة أن تخطط وتبتكر وتطوّر حلولاً تناسب طبيعة الإدارة العراقية وحاجة المواطن.
على أن الوزارة وحدها لا تصنع نجاحاً. هي تحتاج إلى بيانات دقيقة وبنية رقمية آمنة وكفاءات وتشريعات تحمي خصوصية المواطنين ورقابة مستقلة. وأرى أن نبدأ بمؤسسة ذات صلاحيات واضحة، ثم ننظر في خيار الوزارة المستقلة بحسب النتائج على أرض الواقع. ولا تُتخذ قرارات مصيرية بمخرجات النظام وحده. فالخوارزميات تتأثر بجودة البيانات وتحيّزاتها، وقد تخطئ ما لم تُختبر باستمرار. ولذلك يجب أن تكون المسؤوليات محددة، وأن يملك المواطن حق الاعتراض على أي قرار تأثر بنظام ذكي.
فالسؤال الصحيح ليس “الحكومة الإلكترونية أم الذكاء الاصطناعي؟” السؤال هو: كيف ننتقل من إدارة تقليدية إلى إدارة رقمية مترابطة، ثم إلى دولة تفهم مشكلاتها من بياناتها وتبني قراراتها على التحليل. لا ينقص العراق العقول، بل تنقصه المؤسسة التي تجمعها وتمنحها الصلاحيات، وقيادة تفهم قيمة ما بين يديها قبل أن تركنه على الرف.
والدول لا تتقدم بكثرة وزاراتها، بل بقدرتها على تحويل بياناتها إلى معرفة، ومعرفتها إلى قرارات يلمس المواطن أثرها في حياته.
ضياء ابو معارج الدراجي