الثلاثاء - 06 اكتوبر 2026

حلف مكة على محك اليمن: من الردع إلى التدويل..!

منذ ساعة واحدة
الثلاثاء - 06 اكتوبر 2026

د. طالب الشوكة ||

 

 

 

لم يعد الحديث عن التعاون العسكري بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد مجرد تفاهمات دبلوماسية عابرة أو تصريحات سياسية؛ فالاجتماعات الأخيرة انتقلت بالحلف من مرحلة التأسيس السياسي إلى خطوات عملية لتفعيل التزامات الدفاع المشترك، وتسريع توفير القوات والقدرات العسكرية ونشرها داخل الأراضي السعودية.
لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا. ماذا يعني تفعيل الاتفاق فعلياً على الأرض؟
إن تأمين الأراضي السعودية يمثل الخط الدفاعي الأول والواضح، ويستهدف منع أي اعتداء خارجي وتوفير مظلة أمان استراتيجية تشمل تبادل المعلومات، وتفعيل منظومات الاستطلاع والإنذار المبكر، وتعزيز الدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، والأنظمة غير المأهولة. وهنا يكمن الخط الفاصل؛ فالانتقال من حماية الأراضي السعودية إلى خوض عمليات عسكرية داخل الأراضي اليمنية يمثل عتبة حرجة تفصل بين الردع الدفاعي والتدخل المباشر. لكن ثمة طرفاً آخر لا يمكن قراءة هذه المعادلة من دونه: أنصار الله في اليمن.
فالجماعة ليست مجرد خلفية للصراع الذي دفع إلى تعزيز الترتيبات الدفاعية السعودية، بل أصبحت، من الناحية العملية، أحد أهم العوامل التي تختبر حدود الحلف ووظيفته. فالهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على الأراضي السعودية، بالتزامن مع استمرار التصعيد العسكري في اليمن، تضع الاتفاق أمام اختبار ميداني يتجاوز البيانات السياسية.
وهنا تتغير طبيعة السؤال.
إذا كان الحلف قد أُنشئ لتعزيز الردع ومنع الاعتداء على أراضي أعضائه، فكيف سيتعامل مع تهديد مصدره خارج حدود الدول الثلاث؟
هل يكتفي باعتراض الصواريخ والمسيّرات وحماية المنشآت والمدن السعودية؟ أم أن استمرار الهجمات قد يدفع، بصورة تدريجية، إلى التعامل مع مصادرها داخل الأراضي اليمنية؟
هذه هي المنطقة الرمادية التي يقف عندها الحلف اليوم.
فأنصار الله يستطيعون، من خلال قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة، نقل جزء من المعركة إلى العمق السعودي، بينما قد ترى الرياض أن استمرار هذه الهجمات يفرض التعامل مع مواقع إطلاقها ومصادرها داخل اليمن. وهنا يصبح الحد الفاصل بين الدفاع عن الأراضي السعودية والتعامل العسكري مع مصدر التهديد أكثر ضبابية. ورغم التأكيدات الرسمية على الطابع الدفاعي للحلف وعدم استهداف دولة بعينها، فإن المفارقة تكمن في أن أول اختبار فعلي لقدراته يأتي في بيئة إقليمية تشكل فيها الحرب اليمنية أحد أكثر ملفات الأمن الإقليمي حساسية.
وهذا ما يطرح التساؤل الأهم:
هل صُمم هذا التحالف لردع المخاطر، أم أن طبيعة الحرب اليمنية ستفرض عليه تدريجياً وظيفة تتجاوز الدفاع إلى المشاركة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إدارة المعركة؟ حتى الآن، تبدو المعطيات الرسمية أقرب إلى الخيار الدفاعي؛ إذ تتركز الترتيبات المعلنة على توفير القوات والقدرات داخل السعودية وتعزيز منظومات الدفاع، فيما ظل الحديث عن العمليات داخل اليمن خارج الإطار المعلن للحلف. لكن الحرب لا تتوقف عند حدود البيانات الرسمية.
فنقطة التحول الحقيقية تبدأ عندما تصبح حماية الأراضي السعودية مرتبطة عسكرياً بضرورة التعامل مع مصادر الهجمات الموجودة داخل اليمن. وهنا تبرز الجغرافيا البحرية كعامل إضافي في المعادلة.
فإذا اقتربت المواجهة من باب المندب، فإن الصراع لن يبقى محصوراً في العلاقة بين الرياض وأنصار الله. فأي اضطراب في هذا الممر الحيوي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي يمكن أن يحول الحرب اليمنية إلى أزمة تتصل مباشرة بسلامة الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد والطاقة والتجارة العالمية.
وعند هذه النقطة تحديداً، لا يعود السؤال: هل سيدافع حلف مكة عن السعودية؟ بل يصبح السؤال الأوسع: إلى أي مدى يمكن أن يمتد هذا الدفاع؟
فإذا بقي الدور التركي والباكستاني محصوراً في حماية الأراضي السعودية والدعم الدفاعي والاستطلاعي، يبقى الحلف أقرب إلى مفهوم الردع الجماعي الذي تأسس عليه. أما إذا امتد إلى دعم عمليات عسكرية داخل اليمن، فإن طبيعة الحلف ستدخل مرحلة مختلفة، وقد يتحول تدريجياً من إطار دفاعي إلى طرف مؤثر في مسار الحرب اليمنية. وهنا يبرز أنصار الله بوصفهم عاملاً قادراً على التأثير في حدود هذا التحول؛ فكلما اتسعت دائرة الهجمات على السعودية أو طالت المنشآت الحيوية والممرات البحرية، ازدادت الضغوط على الحلف لتوسيع نطاق استجابته. وبذلك يقف حلف مكة أمام مفترق طرق حاسم. إما أن ينجح في فرض معادلة ردع تحمي الأراضي السعودية من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة داخل اليمن، وإما أن تدفعه طبيعة المواجهة مع أنصار الله إلى توسيع دوره، لتتحول جبهة اليمن من اختبار للحلف إلى بوابة لإعادة تدويل الصراع الإقليمي.
فهل يستطيع حلف مكة أن يبقى حلفاً للدفاع عن الحدود، إذا كان مصدر التهديد نفسه يقع خلف تلك الحدود؟
أنصار الله.. الطرف الآخر في معادلة الردع
لكن أنصار الله لا ينظرون إلى هذا التحول بوصفه مجرد ترتيبات دفاعية داخل الأراضي السعودية؛ فقد حذرت الجماعة تركيا وباكستان من الانخراط في الحرب اليمنية، معتبرة أن انتقال البلدين من الدعم الدفاعي إلى المشاركة في العمليات سيضعهما عملياً في مواجهة مباشرة مع صنعاء.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة؛ لأنها تكشف أن الجماعة لا تفصل بين الوجود العسكري التركي والباكستاني داخل السعودية وبين طبيعة الدور الذي يمكن أن يؤديه هذا الوجود مستقبلاً في الحرب.
وبذلك يصبح موقف أنصار الله جزءاً من معادلة الردع نفسها.
فالحلف يقول، في جوهره، إن الاعتداء على أحد أعضائه يمكن أن يستدعي استجابة جماعية، بينما تقول صنعاء، من جانبها، إن انخراط أي طرف جديد في العمليات العسكرية داخل اليمن سيجعله جزءاً من الصراع، ولن يبقى في نظرها طرفاً دفاعياً محايداً.
وهنا تظهر المفارقة الأكثر حساسية. كلما حاول حلف مكة تثبيت معادلة الردع داخل الأراضي السعودية، قد يجد نفسه أمام معادلة مقابلة من أنصار الله ترى في أي توسع للدور العسكري خارج الحدود السعودية انتقالاً إلى مواجهة جديدة، لا مجرد دفاع عن المملكة. ومن هذه الزاوية، لا يعود السؤال متعلقاً فقط بقدرة الحلف على حماية السعودية، وإنما بقدرته على منع تحوّل الالتزام الدفاعي إلى مسار تصعيدي أوسع داخل اليمن.
البعد الإقليمي والدولي. حلف مكة على رقعة الشطرنج الجيوسياسية
إذا كان الاختبار الميداني لحلف مكة يبدأ من جغرافيا اليمن وينتهي عند حدود الأمن السعودي، فإن تداعياته الاستراتيجية تتجاوز الإطار الإقليمي الضيق، لتتقاطع مع حسابات قوى كبرى وإقليمية تجد نفسها أمام معادلة أمنية جديدة في منطقة شديدة الحساسية. فعلى المستوى الإيراني، يمكن قراءة التقارب العسكري الثلاثي بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد باعتباره تطوراً يستحق المتابعة والحذر، خصوصاً إذا تحولت قدراته من الردع الدفاعي إلى التأثير المباشر في مسار الحرب اليمنية.
ومن هنا تكتسب ورقة أنصار الله أهمية مضاعفة في الحسابات الإقليمية؛ فالجماعة تمثل أحد أهم أطراف المعادلة العسكرية في اليمن، وأي تغيير في ميزان القدرات أو طبيعة الضغط العسكري عليها ستكون له انعكاسات تتجاوز الساحة اليمنية نفسها. وبذلك قد تجد طهران نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً إذا اتسع نطاق الدور العسكري للحلف؛ إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى رفع مستوى التوتر الإقليمي، بدلاً من إبقاء المواجهة محصورة في نطاقها اليمني.
أما عربياً وإقليمياً، فتبدو الحسابات أكثر تبايناً؛ فتعزيز القدرات الدفاعية السعودية قد يُنظر إليه من زاوية حماية الأراضي والمنشآت الحيوية، في حين قد تثير المشاركة العسكرية الأوسع مخاوف من استقطابات جديدة وتصعيد يعقد فرص التسوية السياسية. وفي المقابل، تبحث تركيا وباكستان من خلال هذا التقارب عن مصالح أمنية واقتصادية وجيوسياسية مرتبطة بعلاقاتهما مع السعودية والمنطقة. لكن الدخول في العمليات العسكرية داخل اليمن سيضع العاصمتين أمام حسابات أكثر تعقيداً، بسبب اختلاف طبيعة المهمة الدفاعية عن كلفة التحول إلى طرف مباشر في الحرب. وعلى المستوى الدولي، تبدو حماية الملاحة الدولية وأمن المنشآت والطاقة عاملاً رئيسياً في أي مقاربة للحلف، خصوصاً مع أهمية باب المندب وخليج عدن بالنسبة إلى حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد. لكن في المقابل، فإن اتساع الدور العسكري للحلف قد يفتح الباب أمام مخاوف من انتقال الحرب اليمنية من صراع إقليمي إلى أزمة ذات أبعاد دولية أوسع، خصوصاً إذا تداخلت العمليات العسكرية مع أمن الملاحة والطاقة والتجارة العالمية.
وهنا تحديداً تتجاوز المسألة حدود السعودية واليمن.
فكلما اتسعت دائرة المواجهة، أصبح باب المندب جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي والدولي، وأصبح أي تصعيد فيه قابلاً لإنتاج تداعيات تتجاوز أطراف الحرب المباشرة.
وبهذا يتحول حلف مكة من مجرد إطار دفاعي إقليمي إلى مؤشر حساس على اتجاهات الصراع في الشرق الأوسط.
فإذا بقي داخل حدود الردع والدفاع عن الأراضي السعودية، فقد يرسخ معادلة أمنية جديدة دون أن يصبح طرفاً مباشراً في الحرب اليمنية. أما إذا امتد إلى العمليات داخل اليمن، فإن حدود الحلف ووظيفته ستدخلان مرحلة مختلفة، وقد يصبح هو نفسه جزءاً من إعادة تشكيل المشهد العسكري والسياسي في المنطقة.
وفي النهاية، تبقى المعادلة الأكثر حساسية هي تلك التي فرضتها الجغرافيا قبل السياسة.
حلف مكة يريد أن يجعل الاعتداء على السعودية قضية جماعية، بينما ترى صنعاء أن أي مشاركة عسكرية جديدة في الحرب اليمنية تجعل صاحبها جزءاً من الصراع.
وبين هاتين المعادلتين تقف المنطقة الرمادية التي ستحدد مستقبل الحلف.
فهل ينجح حلف مكة في فرض معادلة الردع الهادئ وحماية الحدود، أم أن تداخل المصالح الإقليمية والدولية سيدفعه تدريجياً نحو بوابات التدويل المفتوح؟