الثلاثاء - 06 اكتوبر 2026

الوهابية الارهابية والتوظيف السياسي للدين.. عندما تستباح الدماء وتهدر كرامة الإنسان باسم العقيدة..!

منذ ساعتين
الثلاثاء - 06 اكتوبر 2026

محمد علي اللوزي ||

 

 

 

اي دين هذا الذي يمكن ان يقصف اطفال المدارس، كما حدث في مجزرة مدرسة سعوان ، ثم تمتد آلة الحرب الى مستشفى الاطفال الخدج في مستشفى السبعين؟ واي شريعة او مروءة او ااخلاق يمكن ان تبرر قتل الاطفال والمرضى والمدنيين الذين لا يملكون من امرهم شيئا؟ اننا هنا لا نتحدث عن خطأ عسكري عابرولا عن حادثة يمكن تبريرها بضرورات الحرب، بل عن نمط من الجرائم التي تصيب اكثر الفئات ضعفا، وتكشف عندما تتكرر عن خلل عميق في منظومة القيم التي تسمح باستباحة الانسان حين يصنف باعتباره عدوا او كافرا او تابعا للخصم.
والاخطر من الجريمة نفسها هو محاولة ايجاد غطاءديني او مذهبي لها. فالقتل يصبح عند اصحاب الغكر التكفيري فعلا مبررا، والاسير يفقد كرامته، والمدني يتحول الى هدف محتمل، والمستشفى والمدرسة والبيت والسوق لا تعود اماكن محرمة، بل مواقع يمكن استهدافها متى جرى وضع اصحابها في خانة الخصومة. وعندما يصل الامر الى اخراج الاسرى وهم في حالة عجز، ثم التعامل معهم بطريقة مهينة او تعريضهم للقتل او الدهس، فاننا لا نكون امام خلاف سياسي او عسكري، بل امام سقوط كامل لفكرة الانسان وحرمة النفس وكرامة الاسير.
وهذه الجرائم لا يمكن ان تصبح مقبولة لمجرد اان مرتكبيها رفعوا راية الدين او تحدثوا باسم السلف او الجهاد او الشريعة. فالاسلام الذي عرفته النصوص الكبرى لا يجعل قتل الطفل جهادا، ولا يجعل الاعتداء على المريض بطولة، ولا يحول الاسير الى كائن مباح الكرامة، ولا يمنح احدا رخصة لاهانة الانسان بسبب مذهبه او منطقته او موقفه السياسي. كما ان الشرائع والمواثيق الانسانية، دينية كانت او وضعية، اجتمعت على اصل واضح. حماية المدنيين، وتحريم التعذيب والتمثيل والقتل خارج مقتضيات الغدالة.
ومن هنا فان المشكلة ليست في الدين، بل في توظيف الدين لتبرير العنف والتكفير واستباحة الدماء. وحين تتحول روايات تاريخية او مرويات ضعيفة او تأويلات متشددة الى مرجعية لتبرير القتل، فاننا نكون امام مشروع فكري خطير لا يجوز ان يحتمي بقداسة الدين. فالاسلام اكبر من جماعة، والسنة اكبر من تنظيم، والسلف اكبر من ان تختزل تجربتهم في خطاب التكفير، ولا يجوز تحويل التراث الديني الى مخزن للمسوغات التي تبرر قتل المخالف.
لقد شاهد اليمن خلال سنوات الحرب صورا مؤلمة من قتل المدنيين وتدمير المنشآت المدنية، كما شهد ممارسات قاسية ارتكبتها المدرسة التكغبربة. ولذلك فان رفض هذه الجرائم يجب ان يكون مبدئيا لا انتقائيا. من يقصف مدرسة ويقتل الاطفال مدان، ومن يستهدف مستشفى مدانا، ومن يعذب اسيرا او يهينه مدان، ايا كان اسمه او شعاره او الجهة التي تقف خلفه. فالدم اليمني لا يصبح حلالا عندما يقتل باسم شعار ديني، ولا يصبح اقل حرمة عندما يكونالضحية من منطقة او مذهب مختلف.
والخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول التكفير الى اداة سياسية، وعندما يجري تصدير خطاب مذهبي يعتبر اليمنيين جماعات متصارعة لا شعبا واحدا، ثم يستخدم هذا الخطاب لتعبئة المقاتلين وتحويل الحرب السياسية الى حرب دينية. وهنا تصبح الوهابية التكفيرية، بصورتها التي تتبنى الاقصاء والتكفير والعنف، قضية سياسية واجتماعية تتجاوز الخلاف المذهبي، لان تمكين اي تيار يتبنى استباحة المخالف من السيطرة على المجتمع يعني فتح الباب امام دورة جديدة من الدم لا تنتهي.ولهذا فان اليمنيين الذين عانوا من الحرب لا يحتاجون الى مزيد من الوصاية الدينية او المشاريع التكفيرية، بل يحتاجون الى دولة تحمي الجميع، ومجتمع يتسسع للمذاهب والتيارات والاحزاب والمناطق المختلفة، وقانون لا يميز بين دم ودم. فاليمن ليس ملكا لمذهب واحد، ولا يجوز ان يتحول الى ساحة لتجارب جماعات دينية او مشاريع اقليمية تستخدم اليمنيين وقودا لصراعاتها.
ومن المؤلم ان يخرج علينا بعد كل هذه المآسي من يريد تقديم القسوة بوصفها مقاومة، والتكفير بوصفه غيرة على الدين، والقتل بوصفه بطولة، والوصاية الخارجية بوصفها شرعية. اي كرامة هذه التي تقوم على اذلال الانسان؟ واي مقاومة تلك التي يصبح فيها الطفل والمدني والمريض والاسير ضحية؟ واي تعايش يمكن ان يبنى اذا كان المختلف في المذهب او الرأي يتحول الى هدف مشروع؟
ان الخطر لا يكمن في اختلاف اليمنيين، فالاختلاف سنة من سنن المجتمعات، وانما يكمن في تحويل الاختلاف الى تكفير ثم تحويل التكفير الى قتل ثم تحويل القتل الى عقيدة. عندها لا يعود الخلاف قابلا للحوار، ولا يعود الدم جريمة، ولا يعود الانسان انسانا الا اذا كان من جماعتهم.

ولذلك فان مواجهة الفكر التكفيري ليست عداء للدين ولا حربا على مذهب، بل دفاع عن الدين نفسه من الذين يريدون اختزاله في قاموس من الكراهية والاقصاء، ودفاع عن المجتمع من الذين يريدون تحويل الاختلاف الى محرقة. ومن حق اليمنيين، بل من واجبهم، ان يرفضوا اي مشروع يجعل رقابهم رهنا لعقيدة تكفيرية او وصاية سعودية او سلطة لا تعترف بحق المختلف في الحياة والكرامة.
تلك ليست دعوة الى زلزال جديد في اليمن، بل الى منع زلزال اكبر.. زلزال تحويل المجتمع كله الى ساحة للتكفير والثأر والانتقام. فاليمن لا يحتاج الى من يوزع صكوك الايمان والكفر، ولا الى من يمنح نفسه حق تحديد من يستحق الحياة ومن لا يستحقها. اليمن يحتاج الى السلام والعدالة والسيادة والتعايش، والى دولة يكون فيها الانسان مصونا ايا كان مذهبه وموقفه ومنطقته.
واذا كان هناك من يريد تقديم الوهابية التكفيرية بوصفها مشروعا للخلاص او المقاومة او استعادة الشرعية، فعليه اولا ان يجيب عن سؤال بسيط: كيف يمكن لمشروع يدافع عن كرامة الانسان ان يبدأ باهدار كرامته؟ وكيف يمكن لمن يزعم الدفاع عن الدين ان يبرر قتل طفل او مريض او اسير؟ وكيف يمكن لمن يتحدث عن التعايش ان يبني سلطته على تخويف المخالف وتكفيره؟
ان تمكين الفكر التكفيري من رقاب اليمنيين ليس انتصارا للدين، بل كارثة على الدين والمجتمع معا. فالاديان لا تحتاج الى مجنزرات كي تثبت حقيقتها، ولا الى جثث الاطفال كي تثبت قوتها، ولا الى اذلال الاسرى كي تثبت انتصارها. الذي يحتاج الى كل ذلك ليس الدين، وانما مشروع سياسي متطرف يستخدم الدين غطاء للهيمنة.
ولهذا فان المعركة الحقيقية ليست بين مذهب ومذهب، ولا بين اليمنيين كطوائف متناحرة، بل بين مشروع يريد اليمن وطنا لكل ابنائه، ومشروع يريد تحويله الى مساحة نفوذ تحكمها عقيدة الاقصاء والتكفير والارهاب وفرض الوهابية كدين للتشرذم وتمزيق المجتمع اليمني. ومن هنا يجب ان يكون الموقف واضحا.. لا مكان في اليمن لاي مشروع يستبيح المدنيين او يهين الاسرى او يكفر المجتمع او يجعل الدم وسيلة للحكم. فاليمن اكبر من هذه المشاريع، والانسان اليمني اكرم من ان يكون وقودا لها.
ان اخطر من هذه الحر ب في اليمن فتاوى رجال الدين الوهابيين ن القادمين على ظهر مجنزرات من السعودية بتوظيفهم المرويات والايات الكريمة في اتجاه اشعال الفتن، ووالتقرب بالدم اليمني الى الله بحجة انهم روافض ومجوس، هكذا باعوا دينهم بدنياهم وآخرتهم بحياتهم، يستلذون بالدماء ويعتنقون اديانة القتل والطائغية والمناطقية والمذهبية والتعصب الشرير، ويصبون المرويات في اتجاه يخدم محمد بن سلمان مقابل فتات من المال الحرا. هم عقبة في طريق السلام وهم جنود الشيطان على الارض اليمنية، وهم المتلاعبون بالحلال والحرام، هم الاساطير والاتجاهات العمياء وشهادة الزور والكذب والتدليس. وهم الشر كله. فكيف لنا ان لانقاوم ونرفص هذا الارهاب اللعين. كيف نقبل بمن انتزعت من قلوبهم الرحمة وصاروا مخيفين ومحض شر. ثم يحدثوننا عن وطن يريدونه سلاما من خلال وهابية تكغيرية.