الثلاثاء - 06 اكتوبر 2026

عولمة الحرب وتحول مفهوم القوة في النظام الدولي..!

منذ ساعة واحدة
الثلاثاء - 06 اكتوبر 2026

كاظم الطائي _Nor ||

 

 

 

قراءة في نظام دولي يتعلم العيش داخل الحرب

ثمة خطأ منهجي في الطريقة التي يُقرأ بها المشهد الدولي الراهن. فمنذ اتساع رقعة الصراعات المسلحة وتزامنها في أكثر من منطقة، انشغل التحليل السياسي بالسؤال التقليدي: هل تتجه هذه الحروب نحو حرب عالمية ثالثة؟ وكأن النظام الدولي لا يعرف سوى حالتين متعاقبتين_ سلام مستقر يقطعه اندلاع الحرب، ثم حرب شاملة تعيد تشكيل النظام الدولي.

غير أن هذا التصور قد لا يكون كافيًا لفهم المرحلة الراهنة.

فالمشهد الدولي لا يشير بالضرورة إلى اقتراب مواجهة عسكرية شاملة ومباشرة بين القوى الكبرى، بقدر ما يكشف عن تشكل نمط جديد من النظام الدولي، تتعايش داخله حروب متعددة، وتتداخل آثارها عبر الاقتصاد والطاقة والتجارة والملاحة والأمن الغذائي وسلاسل الإمداد.

لم تعد الحرب، في هذا السياق، مجرد حدث استثنائي ينتهي بتوقيع اتفاق أو بانسحاب أحد الأطراف. إنها تتحول تدريجيًا إلى بيئة استراتيجية دائمة، تتعلم الدول والأسواق والمجتمعات كيفية التكيف معها وإدارة مخاطرها.

وهنا تكمن المسألة الأكثر أهمية: العالم لا يتعلم فقط كيف يمنع الحرب، بل يتعلم كيف يعيش داخلها.

من السيطرة على الأرض إلى تعطيل قابلية الحياة

كانت الحرب التقليدية تتمحور بصورة أساسية حول السيطرة على الأرض، واحتلال المدن، وتأمين الحدود، وتدمير القدرات العسكرية للخصم، ثم فرض شروط سياسية جديدة.

أما الحروب المعاصرة فقد وسعت مفهوم ميدان الصراع ليشمل قدرة المجتمع على الاستمرار.

فالطاقة والمياه والموانئ والمطارات والمصافي وشبكات النقل والاتصالات والبنية التحتية الاقتصادية أصبحت عناصر استراتيجية لا تقل أهمية عن المواقع العسكرية. وتدمير محطة كهرباء أو منشأة نفطية لا يعني فقط تدمير منشأة مادية، وإنما يمكن أن يعني تعطيل الصناعة، وإرباك النقل، ورفع تكاليف الإنتاج، وإضعاف قدرة الدولة على تمويل الحرب والحفاظ على انتظام الحياة اليومية.

وتقدم الحرب الروسية ـ الأوكرانية نموذجًا واضحًا لهذا التحول. فقد أصبحت منشآت الطاقة والمصافي وشبكات النقل والبنية التحتية الاقتصادية جزءًا من ميدان الاستنزاف، بحيث لم يعد الصراع يدور فقط حول خطوط الجبهة، بل حول قدرة كل طرف على المحافظة على اقتصاده ومجتمعه تحت ضغط الحرب.

وبذلك ينتقل مركز الثقل من مفهوم الانتصار العسكري المباشر إلى مفهوم القدرة على التحمل.

فالدولة قد لا تحتاج إلى خسارة أراضٍ واسعة حتى تتعرض للاستنزاف؛ يكفي أن تصبح تكلفة تشغيل اقتصادها ومجتمعها وجيشها أعلى بصورة مستمرة.

الجبهة لم تعد مكانًا

من أهم التحولات التي فرضتها الحروب الحديثة سقوط الحدود التقليدية لمفهوم الجبهة.

فالجبهة لم تعد بالضرورة خط تماس بين جيشين. يمكن أن تكون في البحر، أو في منشأة للطاقة، أو في ميناء، أو في شبكة كهرباء، أو في سوق عالمي للنفط، أو في طريق تجاري بعيد آلاف الكيلومترات عن منطقة القتال.

وقد تنتقل آثار الحرب إلى دول لا تشارك فيها عسكريًا بمجرد ارتفاع أسعار الطاقة أو التأمين أو النقل.

فالهجوم على منشأة نفطية في روسيا، مثلًا، قد يتحول من مسألة روسية ـ أوكرانية إلى مسألة ذات انعكاسات أوسع إذا أدى إلى اضطراب في التكرير أو الإمدادات. وكذلك فإن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر أو الخليج لا يبقى شأنًا محليًا للدول المطلة عليه، لأن السفينة التي تضطر إلى تغيير مسارها، وشركة التأمين التي ترفع أقساطها، والمصنع الذي يتحمل تكلفة نقل أعلى، كلها تصبح أجزاء غير مباشرة من الصراع.

بهذا المعنى، تنتقل الحرب من الجغرافيا إلى الشبكة.

لم تعد حدود تأثير الحرب تتطابق مع حدود الدول التي تخوضها.

الشرق الأوسط بوصفه منظومة ضغط مترابطة

يصعب فهم غزة واليمن وإيران والخليج والبحر الأحمر باعتبارها ملفات منفصلة تمامًا. فهذه الساحات تتقاطع داخل منظومة أوسع من نقاط الضغط الجيوسياسي.

يرتبط أمن مضيق هرمز بالطاقة، ويرتبط باب المندب بالملاحة، ويرتبط البحر الأحمر بالتجارة الدولية، بينما ترتبط أسعار الطاقة بالتضخم، ويرتبط التضخم بالسياسات الاقتصادية، وتنعكس الضغوط الاقتصادية بدورها على الحسابات السياسية والأمنية.

وهكذا يمكن لحدث عسكري محدود جغرافيًا أن ينتج آثارًا تتجاوز المنطقة التي وقع فيها.

وهذه إحدى السمات الأساسية لما يمكن تسميته عولمة الحرب.

فالحرب لا تنتقل فقط بواسطة الصواريخ والطائرات، وإنما تنتقل أيضًا بواسطة الأسعار والتأمين والشحن والأسواق وسلاسل الإمداد.

إنها لا تعبر الحدود بالضرورة كقوة عسكرية، بل يمكن أن تعبرها كتكلفة اقتصادية.

هرمز: القوة التي تعمل قبل إغلاق المضيق

تكشف أهمية مضيق هرمز عن تحول أعمق في مفهوم القوة الجيوسياسية.

فالقوة لا تتطلب دائمًا السيطرة الفعلية على الممر حتى تنتج أثرًا استراتيجيًا. يكفي أحيانًا ارتفاع احتمال تعطيله حتى تبدأ الدول والأسواق وشركات التأمين والطاقة في إعادة حساباتها.

هنا تتحول القوة العسكرية إلى قوة مخاطر.

فالدولة القادرة على تهديد أحد أهم الممرات التجارية في العالم لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاقه بصورة كاملة حتى تؤثر في النظام الاقتصادي. يكفي أن تجعل المرور فيه أكثر خطورة وأكثر تكلفة.

وبذلك لا تصبح السيطرة على الممر هي جوهر القوة وحدها، بل القدرة على إعادة تعريف تكلفة استخدامه.

إنها قوة تقوم على صناعة عدم اليقين بقدر ما تقوم على استخدام القوة المباشرة.

البحر الأحمر: عودة الجغرافيا السياسية للممرات

تؤكد التطورات في اليمن والبحر الأحمر أن الممرات البحرية عادت إلى قلب السياسة الدولية.

فالطرق التجارية الكبرى ليست مجرد خطوط مرسومة على الخريطة، وإنما شرايين يقوم عليها جزء أساسي من الاقتصاد العالمي. وأي اضطراب فيها يمكن أن يرفع كلفة النقل والتأمين، ويدفع السفن إلى تغيير مساراتها، ويؤثر في أسعار السلع والطاقة، ويعيد توزيع المخاطر على طول سلاسل التجارة.

وهنا تعود الجغرافيا السياسية، ولكن بصورة مختلفة عن معناها التقليدي.

فالجغرافيا لم تعد تعني فقط مساحة الدولة وحدودها، وإنما موقعها بالنسبة إلى الطرق التي يتحرك عبرها اقتصاد العالم.

ومن يمتلك القدرة على التأثير في هذه الطرق يمتلك، بدرجات متفاوتة، قدرة على التأثير في النظام الدولي نفسه.

العراق: دولة داخل آثار الحرب

في هذه البيئة يصبح العراق حالة شديدة الحساسية.

فالعراق يمتلك موردًا استراتيجيًا عالميًا هو النفط، غير أن القيمة الجيوسياسية والاقتصادية للنفط لا تتحدد بحجم الاحتياطي أو الإنتاج وحدهما، بل ترتبط أيضًا بطرق التصدير والموانئ والملاحة والتأمين والأسواق العالمية.

ولهذا فإن تغير خريطة المخاطر في الخليج أو البحر الأحمر يمكن أن يصل إلى العراق من خلال أسعار النفط والشحن والتأمين والإيرادات العامة وحركة التجارة.

وهنا يظهر مفهوم أعمق للسيادة الاقتصادية.

فامتلاك المورد لا يعني بالضرورة امتلاك القوة الاقتصادية الكاملة. فالقوة تتطلب القدرة على حماية سلسلة القيمة التي تحول المورد الطبيعي إلى إيراد مستقر ونفوذ اقتصادي.

ومن هذه الزاوية، لا يكون العراق خارج الحرب لمجرد أنه لم يدخلها عسكريًا.

إنه داخل جغرافيا آثارها.

السودان: الحرب التي تكشف تفاوت الاهتمام الدولي

يكشف السودان جانبًا آخر من طبيعة النظام الدولي المعاصر: ليست كل الحروب متساوية في مستوى الاهتمام الدولي.

فبينما تستحوذ الحرب في أوكرانيا والصراعات في الشرق الأوسط على مساحة واسعة من الاهتمام السياسي والإعلامي، تستمر الحرب السودانية في إنتاج أزمة إنسانية وأمنية عميقة.

وتكتسب مناطق مثل كردفان أهمية خاصة بسبب موقعها في شبكة الصراع والسيطرة، بينما تستمر الهجمات التي تطال المدنيين وطرق الإغاثة والبنية الأساسية للحياة.

لكن أهمية السودان لا تكمن في حجم الكارثة الإنسانية وحدها، وإنما في قدرته على كشف آلية توزيع الاهتمام الدولي.

فالاهتمام الدولي لا يتحدد بحجم المعاناة وحده، وإنما يتأثر بموقع الصراع في الجغرافيا السياسية، وبمصالح القوى الكبرى، وبقدرته على التأثير في الأسواق والممرات والأمن الإقليمي.

وبذلك يصبح تفاوت الاهتمام بالحروب جزءًا من بنية النظام الدولي، وليس مجرد نتيجة عرضية له.

أوكرانيا: استنزاف الاقتصاد بدلًا من الجبهة وحدها

تمثل الحرب الروسية ـ الأوكرانية نموذجًا متقدمًا للحرب المركبة، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع الضغط الاقتصادي واستهداف البنية التحتية الحيوية.

لم يعد استنزاف القوات على خطوط التماس الوسيلة الوحيدة لإضعاف الخصم. فأمن الطاقة، والمصافي، وشبكات النقل، والمنشآت الاقتصادية أصبحت جميعها عناصر في معادلة الاستنزاف.

كل منشأة تتوقف، وكل طريق لوجستي يصبح أكثر خطورة، وكل اضطراب يصيب قطاع الطاقة أو النقل يضيف تكلفة جديدة إلى قدرة الدولة على مواصلة الحرب.

وهكذا تتحول الحرب إلى معادلة اقتصادية مفتوحة.

فالهدف ليس دائمًا تدمير الخصم دفعة واحدة، وإنما رفع تكلفة استمراره إلى الحد الذي تصبح فيه الحرب عبئًا متزايدًا على الدولة والمجتمع.

وهنا يصبح الاقتصاد جزءًا من ميدان المعركة، لا مجرد خلفية لها.

تنتج هذه التحولات مفارقة تاريخية مهمة.

فكلما أصبحت بعض أدوات الحرب أقل كلفة وأكثر قابلية للإنتاج، أصبحت بعض الصراعات أكثر قابلية للاستمرار.

وهذا يعني أن تطور وسائل القتال لا يؤدي بالضرورة إلى تقصير مدة الحرب. قد يحدث العكس: تصبح الحرب أسهل في الاستمرار وأصعب في الحسم.

فامتلاك وسائل يمكن إنتاجها بأعداد كبيرة يسمح للأطراف بمواصلة الضغط دون الحاجة إلى تحقيق تفوق عسكري تقليدي كامل.

وبذلك تنتقل القوة تدريجيًا من القدرة على تحقيق ضربة حاسمة إلى القدرة على فرض تكلفة مستمرة.

إنها صورة جديدة لحرب الاستنزاف، لا تقوم فقط على حجم القوة العسكرية، بل على الإنتاج والاقتصاد والقدرة على التحمل واستدامة الموارد.

العالمية الجديدة للحرب

في ضوء هذه التحولات، يبدو أن مفهوم «الحرب العالمية» نفسه يحتاج إلى إعادة قراءة.

فالحرب العالمية بالمعنى التقليدي تعني مواجهة عسكرية مباشرة بين القوى الكبرى وعلى جبهات واسعة. وهذا الوصف لا ينطبق بصورة كاملة على المشهد الدولي الحالي.

لكن ثمة شكلًا آخر من العالمية يتشكل أمامنا_ عالمية آثار الحرب.

الحرب في أوكرانيا تؤثر في الطاقة والغذاء والأسواق. والتوتر في الشرق الأوسط يؤثر في الملاحة والنفط والتأمين. والاضطراب في البحر الأحمر ينعكس على التجارة الدولية. والأساليب العسكرية التي تظهر في صراع إقليمي تنتقل إلى صراعات أخرى.

وبذلك قد لا توجد حرب عالمية واحدة، لكن توجد حروب محلية وإقليمية أصبحت عالمية الآثار.

وهذا ربما يكون التحول الأكثر أهمية في بنية النظام الدولي الراهن.

نظام دولي يتعلم العيش داخل الحرب

ربما لا يأتي يوم يستيقظ فيه العالم ويعلن بداية حرب عالمية ثالثة.

قد يحدث شيء أكثر هدوءًا، وأكثر تعقيدًا، وربما أكثر خطورة.

ترتفع أسعار الطاقة، وتزداد كلفة التأمين والشحن، وتتوسع ميزانيات الدفاع، وتصبح الممرات البحرية أكثر حساسية، وتتغير سلاسل الإمداد، وتتوسع أنظمة الردع والمراقبة، بينما تستمر حروب متعددة في مناطق مختلفة دون أن تتحول إلى مواجهة مباشرة وشاملة بين القوى الكبرى.

وبمرور الوقت، قد يتضح أن التحول لم يحدث في لحظة واحدة.

لقد حدث تدريجيًا.

تراكمت الأزمات، وتداخلت ساحات الصراع، وانتقلت آثار الحروب عبر الأسواق، وأصبحت الدول تعيد تنظيم اقتصاداتها وسياساتها الأمنية على أساس احتمال استمرار الاضطراب.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

ربما لا يكون العالم ذاهبًا إلى حرب عالمية بالمعنى الذي عرفه القرن العشرون، بل إلى نظام دولي يتعلم كيف يعيش داخل الحرب.

لم تعد الحرب حدثًا استثنائيًا ينتظر إعلانًا رسميًا.

لقد أصبحت، في أجزاء واسعة من النظام الدولي، بيئة استراتيجية.

بيئة ترتفع فيها أسعار النفط، وتتغير فيها طرق التجارة، وتتأثر فيها شبكات الطاقة، وتتوسع فيها ميزانيات الدفاع، وتتحول فيها الممرات البحرية إلى أدوات ضغط، وتصبح المخاطر الجيوسياسية جزءًا من الحساب الاقتصادي اليومي.

وعندما تصبح هذه الظواهر جزءًا طبيعيًا من عمل النظام الدولي، فإن العالم لا يحتاج إلى إعلان «حرب عالمية» حتى يعيش بعض خصائصها.

قد لا تكون هناك حرب عالمية واحدة، لكن قد يصبح العالم نفسه يعيش داخل حروب متعددة.