الاثنين - 21 سبتمبر 2026
منذ ساعة واحدة
الاثنين - 21 سبتمبر 2026

الشيخ اكرم كامل الخفاجي ||

 

 

الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .

عندما يبدأ قلمي بنثر كلماته على بياض هذا الوريقات ، فقد تعسّر عليه أن يحصر بضع كلمات في فضل السيدة فاطمة الزهراء (ع) .. وكيف يجرؤ هذا القلم مهما كانت إستطاعته أن يلّم بجانب بسيط من شخصية من كان تكوّنها في السماء وزواجها فيها ، لتُخلق هدية السماء للنساء والرجال معاً .
فيا سيدتي : ما أكتبه عنكِ لا ليقرأه الآخرون فلهم الفضل ، وإنما لكي أقرأ ما أكتبه ، ولو بعد حين ، لأعرف إنكِ تألمتي لما فرّط القوم في الولاية حتى كانت شهادتك .. ولا يتألم إلا من كان وفياً .
وليس بدعاً من الأمم أن تحتفل أمتنا بذكرى الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين ، فإنها سنّة عقلائية جارية أن تحتفل الأمم بعظمائها وبناة حضارتها وتشيد بمآثرهم وفاءً لحقهم واستنهاضاً لهمم الأجيال اللاحقة كي يسيروا على هداهم ، ولا يتخلف عن هذه السُنة إلا الأمم المتخلّفة المتوحشة لأنها لا حضارة لها ولا تاريخ حتى تهتم به وتجدده .
والزهراء فاطمة (ع) من القمم الشامخة التي يتضاءل أمامها كل العظماء وتفخر بها البشرية جمعاء .
وماذا أقول في شخصٍ أصبح أم أبيها ، وبعده صار والدها وزوجها أبوا هذه الأمة فتكون هي أم هذه الأمة ! فالويل الويل من عقّ أمه وأبوه في كل حياته حتى ولو كانت قضيته بسيطة تنوش كلمة أفٍ في دنياه .. والعاقل يفهم !
من ثمار الجنة إنعقدت نطفتها ، ومن بيت النبوة ومعدن الرسالة أُضيء نورها وارتوت من ينابيع المعرفة ففاضت بعلمها ونورها على البشريّة جمعاء . حملت رسالة والدها فكانت الأسوة لكلِّ النساء .
فمقام فاطمة الزهراء (ع) من جملة المقامات التي إما لا يمكن تصورها بالنسبة للبشر العاديين من أمثالنا ، أو أن تصورها أمر صعب . وبالتالي فهي معصومة ، ليست بحسب المسؤولية الرسمية رسولاً ، ولا هي بحسب المسؤولية الرسمية إماماً ، لكنها من حيث المرتبة في مستوى الرسول والإمام معاً .
فالزهراء (ع) آية إلهية كبرى ، قال عنها ربها عز وجل عندما عرج بنبيه (ص) إلى الفردوس الأعلى : (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) النجم : 18.
تقول الزهراء (ع) : إن الله تعالى خلق نوري ، وكان يسبّح الله جلّ جلاله ، ثم أودعه شجرة من شجر الجنة ، فأضاءت ، فلما دخل أبي الجنة أوحى الله تعالى إليه إلهاماً أن إقتطف الثمرة من تلك الشجرة وأدرها في لهواتك ، ففعل . فأودعني الله سبحانه صلب أبي ، ثم أودعني خديجة بنت خويلد ، فوضعتني ، وأنا من ذلك النور ، أعلم ما كان وما يكون وما لم يكن .
يروى في الأحاديث الشريفة أن الله أدخل إمرأة النار بسبب أنها حبست هرة .. فإن كان هذا جزاء من آذى حيواناً ، فماذا بمن آذى إنساناً .. وكيف إذا كان هذا الإنسان معصوماً .. وكان هذا المعصوم هو فاطمة (ع) ؟
وهنا يخجل القلم عن إحصاء فضيلة من فضائل السيدة الزهراء (ع) إلا أن يذكّر المؤمنين في كل فرائضهم واوقاتهم عن تسبيحة الزهراء التي نحلها الرسول الاعظم (ص) لها ، ولو كان هناك هدية أفضل من هذه التسبيحة لما بخل بها الرسول على بضعته .
وفي عقيدتي أن عدم التطرق لشخصية فاطمة الزهراء (ع) يعتبر ظلماً لها وبحقها .. لأننا خسرنا الكثير بتغييب شخصية فاطمة الزهراء (ع) .. فلقد فَقَدت المرأة أهم قدوة وأُنموذج للاقتداء لبناء الأسرة والمجتمع والأمة .
وعلى المؤمنين الغيارى الركون إلى المسيرة الفاطمية والوقوف بكل حزم لتعرية رموز الضلالة والتحريف وفضح نواياهم المسمومة .
فالتاريخ ليس مجرد سرد للحوادث وإنما نتوخى منه صياغة الذوق العقائدي ونشر المبادئ الحقة وتأييدها كما أنه موضوع للمواقف الفقهية .
يقول أحد الآيات العظام : من مات على ولاية فاطمة (ع) صار قبره مهبطاً للملائكة !
يا بنت رسول الله ، أيتها الصديقة الطاهرة .. إلى أي مقام وصلتِ بحيث أن الذي يموت على ولايتكِ يصير قبره مزاراً لملائكة الرحمة ؟ ! فكيف يكون نفس قبرك ؟.
وبعد أن يموت الذي يتشرف بموالاتكِ ويدفن وينام في قبره ، يطوف حوله ملائكة الرحمة ، كما يطوف الفراش حول السراج ! فمن أولئك الملائكة الذين يطوفون حول قبركِ أنتِ ، حيث حلَّ جثمانك الطاهر ؟.
فللصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (ع) فضل كبير على الامة لانها دافعت بقوة وبشجاعة عن المسار الصحيح لحركة الاسلام ووقفت في وجه الانحراف ولولا ذلك الموقف العظيم لما بقي رسم للنهج المحمدي الاصيل ولعبثت بالصراط العلوي المستقيم أيدي التزوير والجحود .
وخلّدت ذاك الموقف بمظلوميتها وتشييعها ودفنها سراً واعفاء موضع قبرها ، ليبقى هذا التساؤل المؤلم شاخصاً في اذهان الاجيال الى قيام القائم (عج) .
فوقفت الزهراء (ع) من أول يوم لانقلاب الأمة لتكشف الانحراف ولتوقظ الناس من غفلتهم وترشدهم إلى الإمام الحق ، وأن القيادة لا تكون بالادعاءات وإنما بالاستحقاق والمؤهلات التي يريدها الله تبارك وتعالى ، لكن تزوير الحقائق الذي مارسه فقهاء السلطة عبر القرون رسخ في أذهان أتباعهم أن من يتسلط على رقاب الناس ولو بالسيف والقهر والانقلابات العسكرية هو ظل الله في الأرض وخليفته ، وأن الله تعالى يأمر بطاعتهم ، ومايزال الكثير منهم يرددها – مع الأسف – .
فمن يدرك حقيقة فاطمة الزهراء (ع) وما جرى عليها .. ووقعُ ذلك على قلب أمير المؤمنين (ع) ؟
يجيب أحد الآيات العظام بتساؤل مفجع ومحزن قائلاً : «كلكم تعلمون أي قلب كان عند أمير المؤمنين (ع) ، و كلكم تعرفون أي يد كان يمتلك ، وكلكم مطّلع على مدى قدرته ومدى تحمّله وصبره .. فكّروا معي الآن في هذه الكلمة : فحينما وصل خبر شهادتها إلى أمير المؤمنين (ع) سقط على ‏وجهه !.
‏هل رأيتَ شخصاً في العالم يصبر على شوكةٍ في عينه ، أو عظمةٍ في حلقومه ؟! لقد صبر عليٌّ (عليه السلام) على أمورٍ من هذا النحو ، بل صبر على ما هو أحدُّ من حَزِّ الشِّفار ! فهل رأيتَ أحداً يُحَزُّ لحمه بالشِّفار وهو صابر ؟! إنّ المعصوم لا يبالغ في كلامه أبداً !
نعم ، هذا الرجل الفريد ، الصابر الأوّل في العالم ، الذي لم تستطع خيبر أن تخضعه ، ولا الخندق أن يحني ظهره ، والذي بات على فراش النبي (صلّى الله عليه وآله) في ليلة المبيت على عظيم هولها فلم يطرف له جفنٌ من خوف .. نراه ليلة رحيل فاطمة (عليها السلام) منكسراً لا حيلة له ، يخاطب رسول الله قائلاً : “قَلَّ يا رسولَ اللهِ عن صفيّتِكَ صبري!”
إنّها شكوى لم يرفعها إلى بشر ! فلم يكن يجد من يبثّ إليه لواعج ما لاقاه سوى مَن توجّه إليه بتلك الآهات !» .
وقالَ أحد العلماء المحققين : قالت فضّةُ : لما فرغَ أميرُ المؤمنينَ (عليهِ السّلام) مِن تغسيلِ مولاتي فاطمةَ الزّهراء (عليها السّلام) خرجَ باكياً .
وقالَ أيضاً : قالَ ورقةُ بنُ عبدِ الله : كنتُ قائماً على بابِ دارِ سيّدِ الأوصياءِ أميرِ المؤمنينَ (عليهِ السلام) – حينَ اشتغالِه بتغسيلِ فاطمة (عليها السّلام) – فإذا سمعتُه يبكي بكاءً عالياً ممّا لم أعهَد نظيرَه منه (عليهِ السّلام) ، فتعجّبتُ مِن ذلكَ كيفَ لم يتصبّر (عليهِ السّلام) هُنا وقلتُ : سُبحانَ الله ! أهكذا يصنعُ عليٌّ (عليهِ السّلام) – معَ شدّةِ صبرِه وحملِه وسكونه – ؟ وصمّمتُ على ملامتِه عندَ خروجِه .. فلمّا فرغَ منَ التغسيلِ خرجَ ودموعُه تسيلُ مِن عينيه . فقلتُ : ما يُبكيكَ يا أبا الحسنِ ، أمِن فقدِ [فراقِ] الزهراءِ (عليها السّلام) ؟ ! فقالَ : لا ، يا ورقة ! ما يُبكيني إلّا أثرُ السياطِ بجسمِها ، أسودٌ كأنّهُ النيلُ .. [كذا] فهكذا تُحشَرُ يومَ القيامةِ وتلقى الله .
ومن الطرق المعتبرة ما رواه محمد بن مسلم قال : (سمعت أبا جعفر (ع) يقول : لفاطمة (ع) وقفة على باب جهنم ، فإذا كان يوم القيامة كُتب بين عيني كل رجل مؤمن أو كافر ، فيؤمر بمحبٍ قد كثرت ذنوبه إلى النار فتقرأ فاطمة بين عينيه محباً فتقول : إلهي وسيدي سمّيتني فاطمة وفطمت بي من تولاني وذريتي من النار ووعدك الحق وأنت لا تخلف الميعاد ، فيقول الله عز وجل : صدقتِ يا فاطمة إني سميتك فاطمة وفطمت بك من أحبك وتولاك وأحب ذريتك وتولاهم من النار ووعدي الحق وأنا لا أخلف الميعاد ، وإنما أمرت بعبدي هذا إلى النار لتشفعي فيه فأشفّعك وليتبين لملائكتي وأنبيائي ورسلي وأهل الموقف موقفكِ مني ومكانتكِ عندي ، فمن قرأتِ بين عينيه مؤمناً فخذي بيده وأدخليه الجنة) .
ولماذا نستكثر على الله تبارك وتعالى أن يعطي من غير استحقاق إكراماً لعباده ولتعريف الخلائق بقرب منزلة الزهراء (ع) منه تبارك وتعالى ، والله تعالى متفضّل منّان يبتدئ بالنعم من غير استحقاق . نَعم فإن المُنافي لعدله أن يُعاقب من غير ذنب ، أما أن يتفضّل بالعطاء من غير استحقاق فهذا مناسبٌ لكرمه .
ونضرب مثلاً على ذلك ، فإن في بعض برامج المسابقات التي تظهر على الفضائيات وإعطاء الجوائز للفائزين ، وأحياناً تريد إدارة القناة إعطاء الجوائز بأي شكل كالترويج لها أو لمساعدة الناس ، فتسأل الشخص سؤالاً ما فلا يجيب فتبسّط له السؤال فلا يجيب ، إلى أن تسأله : ما اسمك ؟ وهو يعرفه قطعاً فإذا أجاب هلّلوا له فرحاً واعتبروه فائزاً وأعطوه الجائزة .. وهكذا تكون جائزة الزهراء البتول (ع) للخالق سبحانه أمام الخلق .
وهو ما أكّده الإمام الحسين (ع) هذا المعنى في خطابه الذي ألقاه في مكة المكرمة قبل خروجه إلى العراق ومما قال (ع) : (رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين ، لن تشذ عن رسول الله لحمته ، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس تقرّ بهم عينه ، وينجز بهم وعده) .
أحدهم يسأل : ما رأيكم في مقولة من يقول : «أنا لا أتفاعل مع كثير من الأحاديث التي تقول إنّ القوم كسروا ضلعها أو ضربوها على وجهها وما إلى ذلك …» ؛ وعندما سُئل : كيف نستثني كسر ضلع الزهراء مع العلم بأنّ كلمة (وإن) التي أطلقها أصل المهاجمة أعطت الإيحاء ، أضف إلى ذلك : كيف نفسّر خسران الجنين مُحسِن ؟
أجاب السائل : «إنّ هذا لم يثبت ثبوتاً بأسانيد معتبرة ، ولكن قد يكون ممكناً ، أمّا سقوط الجنين فقد يكون بحالة طبيعيّة طارئة» ؟!
وأختصر الإجابة سماحة الميرزا جواد التبريزي (طاب ثراه) بالشكل التالي :
بسمه تعالى ؛ كفى في ثبوت ظُلامتها وصحّة ما نُقل من مصائبها وما جرى عليها خفاءُ قبرها ووصيّتها بأن تُدفَن ليلاً إظهاراً لمظلوميّتها (عليها السلام) .
مضافاً إلى ما نُقل عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) من الكلمات عند دفنها (في الكافي) :
«وَسَتُنْبِئُكَ ابْنَتُكَ بِتَظَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا ، فَاحْفِهَا السُّؤَالَ وَاسْتَخْبِرْهَا الحَالَ ، فَكَمْ مِنْ غَلِيلٍ مُعْتَلِجٍ بِصَدْرِهَا لَمْ تَجِدْ إِلَى بَثِّهِ سَبِيلاً ، وَسَتَقُولُ وَيَحْكُمُ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ» .
وقال (عليه السلام) : «فَبِعَيْنِ اللَّهِ تُدْفَنُ ابْنَتُكَ سِرّاً ، وَيُهْضَمُ حَقُّهَا ، وَتُمْنَعُ إِرْثَهَاة، وَلَمْ يَتَبَاعَدِ العَهْدُ وَلَمْ يَخْلَقْ مِنْكَ الذِّكْرُ ، وَإِلَى اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ المُشْتَكَى» .
وما ورد بسندٍ معتبر عن الإمام الكاظم (عليه السلام) أنّه قال : «إِنَّهَا صِدِّيقَةٌ شَهِيدَةٌ» ، وهو ظاهرٌ جليٌّ في مظلوميّتها وشهادتها .
ويؤيّده ما رواه الطبري في (دلائل الإمامة) بإسناده عن الصادق (عليه السلام) :
«وَكَانَ سَبَبُ وَفَاتِهَا أَنَّ قُنْفُذاً أَمَرَهُ مَوْلَاهُ فَلَكَزَهَا بِنَعْلِ السَّيْفِ بِأَمْرِهِ ، فَأَسْقَطَتْ مُحْسِناً» ؛ واللهُ الهادي للحقّ .
فمهما توالت الأيام وتقادمت الليالي تبقى فاطمة الزهراء (ع) قمراً يشع ولا يبلى بهاؤه ، لأنها كلمة طيبة ترددها شفاه المؤمنين ، ومنهاج يقتدي به الصالحون .. إنها شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها .. بل هي حاضرة في ضمائر الأحرار المؤمنين من بني آدم ، وفي ضمائر الحرائر من بنات حواء ، في كل عصر ومصر .. ذلك لأنها نموذج الحق ، وقمة الإيمان ، ورمز التحدي والمواجهة .
اللهم إرحمنا بالزهراء (ع) .. اللهم شافنا وعافنا بالزهراء (ع) .. اللهم أرزقنا بالزهراء (ع) .. اللهم توفنا مسلمين بالزهراء (ع) .. يا أرحم الراحمين .