الأحد - 20 سبتمبر 2026

بغداد بين مطرقة التلوث ورهان الأستدامة … رؤية شاملة للتحديات والحلول البيئية..!

منذ 36 ثانية
الأحد - 20 سبتمبر 2026

المهندس يونس الكعبي
20 أيلول 2026

 

 

 

تمثل البيئة في العاصمة بغداد واحدة من أعقد الملفات الشائكة التي تمس حياة ملايين المواطنين يومياََ ، ومع حلول اليوم العالمي للبيئة ، يتجدد الأستحقاق الوطني للأجابة على أسئلة ملحة تتعلق بمدى ملاءمة بغداد للعيش فيها ، وواقع التشريعات والأجراءات الحكومية ، وصولاََ إلى دور المجتمع والحلول المستدامة.
تعاني بغداد من إجهاد بيئي حاد يضعها في مستويات حرجة وفق القياسات الدولية لجودة الحياة. فالنمو السكاني المتسارع ، والأتساع العمراني غير المخطط ، وزيادة أعداد المركبات والمولدات الأهلية والحكومية ، ناهيك عن أعداد ضخمة من الدراجات النارية المختلفة ، ترافقت مع أنحسار الغطاء الأخضر والأراضي الزراعية والبساتين التي كانت تحيط بغداد من جميع جوانبها تقريباََ. وتراجع ملحوظ في الجريان المائي لنهر دجلة وكذلك نهر ديالى الذي يمر في أطرافها.
تشير المؤشرات الحالية إلى أن بغداد تواجه تحديات بيئية وهيكلية تجعل من جودة الحياة فيها منخفضة مقارنة بالمواصفات القياسية الدولية ؛ وذلك بسبب أرتفاع مستويات التلوث الهوائي والمائي والضوضائي ، أضافة إلى التغيرات المناخية المتطرفة مثل موجات الغبار وأرتفاع درجات الحرارة القياسي صيفاََ.
لا يقف التلوث عند حدود المشهد الجمالي ، بل يمتد ليعصف بالقطاعات الصحية والأقتصادية والمجتمعية ، فالآثار الصحية تتمثل في أرتفاع معدلات الأصابة بأمراض الجهاز التنفسي (كالربو والحساسية المزمنة) ، وأزدياد الحالات السرطانية والأمراض الجلدية نتيجة التعرض للملوثات الكيمياوية والدقائق العالقة.
وفي الآثار الأقتصادية ، نلاحظ أنخفاض في الأنتاجية نتيجة الحالات المرضية الكثيرة التي تضطر العاملين إلى أخذ أجازات مرضية قصيرة وطويلة بحسب الحالات المرضية ، أضافة إلى تكاليف معالجة المياه وتدهور الأراضي الزراعية والبساتين المحيطة بالعاصمة.
ومن الآثار المناخية والأجتماعية ، تفاقم ظاهرة الجزر الحرارية داخل الأحياء السكنية نتيجة أختفاء المساحات الخضراء ، وزيادة الضغوط النفسية الناتجة عن التلوث الضوضائي وازدحام حركة المرور في الشوارع العامة.

يمتلك العراق أطاراََ قانونياََ بيئياََ توج بقانون حماية وتحسين البيئة رقم(27) لسنة 2009 ، أضافة إلى قوانين وزارة الصحة والبيئة والتعليمات الصادرة عن أمانة بغداد.
الخلل الأساسي لا يعود لضعف النصوص القانونية ، بل لضعف آليات الأنفاذ والرقابة ، وتداخل الصلاحيات بين الجهات الحكومية ، فضلاََ عن الغرامات والمحاسبة التي لا تشكل رادعاََ كافياََ للقطاعات الصناعية أو الأستثمارية الكبرى عند أرتكاب المخالفات.
شهدت الأعوام الأخيرة تحركات حكومية لمواجهة الأزمة ، إلا أنها ما تزال دون مستوى المعالجة الجذرية ، ففي نهر دجلة مثلاََ تم تشخيص بعض مخالفات محطات معالجة مياه الصرف الصحي من قبل مشاريع المجاري وبعض المؤسسات الصحية التي تطرح المياه الثقيلة أو الملوثة إلى مياه النهر مباشرة.
في تلوث الهواء تم نقل بعض الكور والمصانع الملوثة للبيئة إلى خارج حدود التصميم الأساس لمدينة بغداد لتسببها بتلويث الهواء بكميات كبيرة ، ومحاولة تنظيم عمل المولدات الأهلية لصعوبة رفعها في الوقت الحاضر بسبب أزمة الكهرباء الحادة والحاجة إلى خدمات هذه المولدات لسد النقص في تجهيز الكهرباء.
هناك ضعف واضح في الرقابة على الأنبعاثات الصادرة من المولدات ومصفى الدورة ومحطات توليد الكهرباء ، وتأخر تطبيق الأشتراطات البيئية الحازمة على عوادم السيارات المستوردة.

لتحسين البيئة في مدينة بغداد ، يتطلب النهوض ببيئة العاصمة وتطبيق أستراتيجية متعددة المحاور تعتمد على حلول مستدامة وعملية تتضمن:
* أعادة أحياء وتطوير الحزام الأخضر ، وتشجير المناطق المحيطة ببغداد وأنشاء غابات عصرية للحد من موجات الغبار وخفض درجات الحرارة.
* تحديث وتوسعة محطات معالجة الصرف ، ومنع تصريف أي مخلفات ملوثة في نهر دجلة بشكل مطلق ، وألزام المستشفيات والنشاطات الصناعية بمحطات معالجة خاصة قبل طرح أية مواد إلى البيئة.
* التوجه نحو الطاقة النظيفة والنقل المستدام ، والتوسع في تشغيل الطاقة الشمسية للمؤسسات والمنازل ، وتطوير شبكات النقل العام (المترو ، الباصات الكهربائية ، القطارات المعلقة ، الترام) والتحول لأستخدام المركبات الكهربائية أو الهجينة (Hybrid) لتقليل الأكتظاظ والأنبعاثات.
* أدارة النفايات وتدويرها ، والأنتقال من الطمر العشوائي إلى أنشاء معامل حديثة وفرز النفايات وأعادة تدويرها وأنتاج الطاقة.
* أنفاذ التشريعات والقوانين البيئية وأستقلالية الرقابة البيئية ، وتفعيل الشرطة البيئية وفرض عقوبات صارمة وغير استثنائية على الجهات المخالفة ، سواء كانت حكومية أو أهلية.

يبقى لدور المواطن العامل الأكبر في الحفاظ على البيئة ، فالنجاح في تحسين البيئة لا يكتمل دون شراكة مجتمعية فاعلة ومسؤولة. وضرورة التوعية بترشيد أستهلاك الماء والكهرباء ، والحد من أستخدام البلاستك غير القابل للتدوير ، والمساهمة من قبل المجتمع والأهالي في زراعة الحدائق المنزلية والأرصفة والمساحات المتروكة داخل الأحياء.
الالتزام من قبل المواطنين بالتخلص السليم من النفايات ، وحث المواطنين على رمي النفايات في أوقاتها وأماكنها المحددة ، والأبتعاد عن حرق النفايات محلياََ ، خصوصاََ داخل الأحياء السكنية.
وكذلك التعاون مع الأجهزة الرقابية في الأبلاغ عن التجاوزات والأنتهاكات البيئية ، ودعم المبادرات التطوعية للمؤسسات والمنظمات المدنية المعنية بالبيئة.
تستحق مدينة عريقة وجميلة مثل بغداد بمكانتها التاريخية والثقافية جهداََ أستثنائياََ يتحاوز الحلول الترقيعية نحو رؤية بيئية شاملة تجعل من العاصمة بغداد بيئة صحية وآمنة ومستدامة للأجيال الحالية والمستقبلية.