آل سعود تاريخ بتزييف الدين لجرّ السنة وراء كذبة قصف مكة..!
سعد جاسم الكعبي ||

مفارقة تاريخية تستحق أن نتوقف عندها طويلاً. نفس الأصوات، ونفس المدارس، ونفس الأقلام التي قضت عقوداً تبرر ليزيد بن معاوية جريمته الكبرى بضرب الكعبة بالمنجنيق في وقعة الحرة وحصار ابن الزبير، وتقول “اجتهد فأخطأ” و “فتنة لا يجوز الخوض فيها”، هي اليوم تملأ الدنيا صراخاً وعويلاً باتهام كاذب ملفق للحوثيين أنهم استهدفوا الكعبة، لاستعطاف المسلم السني البسيط ودفعه لحرب لا ناقة له فيها ولا جمل.
من يبرر ضرب الكعبة الحقيقي بالأمس، يتباكى على ضرب كاذب مزعوم اليوم. هذه هي قمة التدليس على طريقة مدرسة عمرو بن العاص في السياسة: لا يهم الكعبة، المهم توظيف الكعبة.
آل سعود والدين كأداة سياسية.. تاريخ قديم. لم يبدأ آل سعود باستخدام الدين كسلاح سياسي اليوم. هذا نهج تأسيسي منذ تحالف الدرعية. في الخمسينات والستينات، عندما كان جمال عبد الناصر يمثل مشروع التحرر العربي، لم يواجهه آل سعود بمشروع سياسي، بل استخرجوا سلاح التكفير. تأسست رابطة العالم الإسلامي عام 1962 تحديداً لمواجهة المد القومي، وتم تعبئة كل خطباء المساجد أن عبد الناصر ملحد وشيوعي يحارب الإسلام، بينما كانت طائراته تقصف اليمن. فجأة أصبحت قضية المسلمين ليست فلسطين ولا تحرير مكة من الوصاية، بل محاربة الإلحاد الناصري.
بالأمس كان المقبور صدام بطل القادسية وحامي البوابة الشرقية، وتصدر الفتاوى بجواز دعمه بالمال والسلاح في حربه ضد إيران. وعندما انتهت مهمته وانقلب على الكفيل، انقلبت الفتاوى بين ليلة وضحاها. صدام نفسه أصبح كافراً بعثياً ملحداً يجب الاستعانة بالأمريكان لقتاله. وجاؤوا بخمسمئة ألف جندي أمريكي إلى أرض الحرمين، واستخرجوا فتوى ابن باز بجواز الاستعانة بالكافر، وهي الفتوى التي لم يجرؤ يزيد نفسه على طلبها. استخدموا الدين لتبرير دخول الصليبيين إلى جزيرة العرب، ووصفوا من عارض ذلك بأنه خارجي.
واليوم نفس السيناريو يعاد حرفياً ضد أنصار الله الحوثيين. حرب عبثية فشلت عسكرياً وسياسياً وأخلاقياً في اليمن، فكان لا بد من ورقة الكعبة. يتم إطلاق صاروخ يمني على مطار عسكري في الطائف أو جدة، فيقوم إعلام الرياض بتحويل مساره في الخبر ليصبح صاروخ حوثي يستهدف الكعبة المشرفة. يا للعار، من قصف اليمنيين في أسواقهم وأعراسهم ومساجدهم، يبكي اليوم على كذبة صاروخ لم يحدث. الهدف واضح، السني في إندونيسيا ونيجيريا والعراق ومصر لا تعنيه حسابات محمد بن سلمان السياسية، لكنه ينتفض إذا قيل له الحوثي يضرب الكعبة. إنها عملية استعطاف رخيصة ومكشوفة.
أما أفعالهم المشينة بحق الكعبة وأهل مكة، فالمفارقة أن من يتهم غيره باستهداف الكعبة، هو من أهانها فعلياً قولاً وفعلاً، وموثق بالصورة والصوت. قبل أقل من عام، في موسم الرياض، تم نصب مجسم ضخم للكعبة على شكل مكعب مضيء، وحوله راقصات شبه عاريات يرقصن على أنغام الموسيقى الصاخبة. المشهد الذي لو حدث في أي بلد آخر لقامت الدنيا ولم تقعد، مر مرور الكرام لأنه برعاية هيئة الترفيه. فأين كانت غيرتكم على الكعبة.
وفي سابقة لم تحدث في تاريخ الإسلام، تم إهداء قطعة من كسوة الكعبة المشرفة لمغني راب أمريكي أو غيره من مشاهير الترفيه كتكريم. الكسوة التي كان الخلفاء يغسلونها بماء زمزم ويرسلونها محمولة على الأكتاف، أصبحت هدية تذكارية لمطرب.
وأهل مكة يذكرون جيداً مجزرة الطائف ومكة عند دخول جيش الإخوان الوهابي الأول بقيادة آل سعود. استباحوا مكة وقتلوا أهلها بتهمة الشرك، وسرقوا ما في الكعبة من تحف وهدايا كانت تهدى لها منذ قرون. والتاريخ يعيد نفسه في حصار الحرم عام 1979 وكيف تم اقتحامه بالدبابات وسفك الدماء فيه، وفي جرائم إزالة آثار الصحابة وأهل البيت في مكة والمدينة وتحويلها إلى أبراج وفنادق لعائلة آل سعود. هم لا يرون في مكة مدينة مقدسة، بل عقار استثماري. هدموا بيت خديجة عليها السلام، وهدموا بيت أبي بكر، وحولوا جبل أبي قبيس إلى قصور ملكية، بينما يسكن أهل مكة الأصليون في الأطراف مهجرين بفعل نزع الملكيات لصالح شركاتهم.
لماذا يزيف الإعراب الحقيقة؟ لأن مشروعهم لا يعيش إلا بالكذب. لو قالوا للناس الحقيقة، نحن نحارب الحوثي لأنه رفض أن يكون تابعاً لنا مثلما كان علي عبد الله صالح، ولأنه يهدد حدودنا ومصالحنا، لما تبعهم أحد. لذلك لا بد من تغليف الحرب بغلاف ديني، الحوثي مجوسي، رافضي، يسب الصحابة، يستهدف الكعبة. نفس القاموس الذي استخدم ضد عبد الناصر وضد صدام وضد كل خصم سياسي.
إنهم يجرون أهل السنة معصوبي الأعين خلفهم. يخافون من وعي السني الحر الذي يعرف أن الكعبة لم يهددها يمني في تاريخه، بل هددها القرامطة واليزيديون والذين جعلوا حولها مراقص. السني الحر يعرف أن معركته الحقيقية ليست مع فقير في صعدة يدافع عن بلده، بل مع من حول الدين إلى شركة مساهمة، ومع من جعل منبر الحرم يبرر التطبيع والرقص والفساد.
التاريخ لن يرحم. وكما سقط تبرير ضرب يزيد للكعبة، سيسقط تبرير كذبة استهداف الحوثي للكعبة.




