الجمعة - 18 سبتمبر 2026

بين ذكرى البيجر واستشهاد درّة لبنان .. الخصومة غير الشريفة واستراتيجية الثبات..!

منذ ساعتين
الجمعة - 18 سبتمبر 2026

بهاء الدين الغزي ||

 

 

 

لم تكن مدة القضية عشرة أيامٍ بين وقوع حادثة تفجير أجهزة البيجر واستشهاد قائد حزب الله السيد حسن نصر الله بل كانت فصلاً حاسماً ومرحلة مفصليَّة في المواجهة بين حـزب الله والكيان الغاصب، إذ تركت حادثة تفجير أجهزة البيجر يومي (17 – 18 أيلول 2024) أثراً بليغاً وجرحاً عميقاً في البنية البشرية لمجاهدي حزب الله،

وبقدر ما كشفت عن حجم الخرق الإلكتروني الكبير في هذه الشحنة من الأجهزة فإنَّها توثِّقُ قسوةَ الخصمِ وعدم تورعه من استخدام أية وسيلةٍ في حربه مع الآخر، وهذا الأمر ينبغي أن يؤخذ بالحسبان، لأن أي خطأٍ أو غفلةٍ في الحسابات العسكرية سرعان ما تكون نتائجه كارثية على أحد الطرفين،

فقد بدا التعب والإرهاق واضحاً على السيد الشهيد حسن نصر الله حين ظهر في خطابه الأخير بخصوص الحادثة التي ألقت بظلالها على الجميع حين أشار إلى أنها كانت “كبيرة أمنياً وإنسانياً ومؤثرةً على حزب الله وغير مسبوقة في تاريخ الصراع مع العدو الصهيوني” ، وهو يشير إلى أنَّ تفوق العدو إلكترونياً يمثل أحد ركائز هذه الضربة .

وحين جاء يوم السابع والعشرين من أيلول من السنة نفسها، كانت الأمور تتجه لاحتقانٍ أكبر بسبب ضغط جبهة الشمال اللبنانية على الكيان الصهيوني الذي أصبح بعض قادته يتحدّث عن استنزاف القدرات العسكرية وقوات المشاة، وأصبحت أحد كوابيسه التي جعلته يلجأ إلى إلقاء أكثر من (83) طناً من المتفجرات على ستةِ مبان في الضاحية الجنوبية كان مقر السيد الشهيد حسن نصر الله تحت أحدها على عمق (30) متراً تحت الأرض، أدت إلى استشهاده في الحال .

ولو عدنا إلى الوراء قليلاً فإننا نستطيع أن نفهم سبب ذلك كله، فعلى مدى أربعة عقود، إمتلك السيد حسن نصر الله أدوات استراتيجية قلبتْ معادلات الصِّراع مع الكيان الصهيوني، إذ نقل الحرب من أدواتها التقليدية في الثمانينات إلى مرحلة متقدمة جداً في التسعينات من القرن الماضي والربع الأول من القرن الحادي والعشرين الحالي، جعلته يوظف أدوات الحرب النفسية والإعلامية مع تطوير القدرات العسكرية والاستخبارية في أساليب قيادته، إضافة إلى ترسيخه ما عُرف بمصطلح “توازن الرُّعب” الذي استمر بعد اغتياله ، وقد ترك غيابه عن الساحة أثراً واضحاً على بنية الحزب، لأنَ شخصيَّته بما تحمل من كاريزما واضحة منحتهُ قدرةً استثنائيةً طيلة (32) عاماً من القيادة على حشدِ الصفوف وتعبئتها بطريقةٍ لم تُعوّض بسهولة، وهذا ما فرض آليَّاتٍ أوسع للتَّوافقِ داخل القيادة وأسلوباً أكثر حذراً في القرار الميداني لدى حزب الله في مرحلة ما بعد السيد حسن نصر الله.

إن من أهم الخصائص التي تميزت بها مرحلة قيادة السيد نصر الله أنه كرَّسَ فيها صورة “القائد الرَّمز” ، وجعل منه ومن خطابه الصارم الممزوج بالبساطة في نظر أنصاره أيقونةً شعبيةً واضحة التأثير، وفي نظر خصومه خصماً عنيداً لا يمكن تجاهله أو غض النظر عنه وعن تأثيره .

يمكن القول : إن اغتياله بهذه الطريقة لم ينهِ صورته المترسخة في الأذهان، بل حوّلها إلى حالةٍ وجدانيةٍ مُتجدِّدةٍ في كل عام، تتغذى على متابعة خطاباته المؤرشفة ورمزيته الكبيرة التي تسحتضر في كل مناسبة وموقف.