الثلاثاء - 15 سبتمبر 2026

تجار الكلام: صانعو الخراب.. الحلقة الأولى: متحدثون لا يمثلون أحداً..!

منذ 10 دقائق
الثلاثاء - 15 سبتمبر 2026

رياض الفرطوسي ||

 

رياض الفرطوسي

 

في كل مرحلة مفصلية من تاريخ العراق المعاصر، كان هناك من يعتلي المنبر ليتحدث باسم الشارع. سياسيون يخطبون في الاجتماعات المغلقة، مثقفون يملؤون الصحف والمقاهي بحساباتهم النظرية، وأكاديميون يحللون عبر الشاشات. جميعهم يتحدثون باسم “الشعب” و”الوطن”، لكن الواقع يكشف فجوة عميقة: هؤلاء لا يعبرون إلا عن مصالحهم الخاصة.

هذا التشخيص ليس اتهاماً أخلاقياً، بل هو تفكيك لبنية النخب التي تصدرت المشهد العراقي والعربي. تفكيك يوضح لماذا تحولت الوعود البراقة إلى أزمات مستمرة، وكيف أدى الانفصال بين من يملك الميكروفون ومن يعيش المعاناة إلى ضياع الفرص الوطنية.

بين الخاصة والصفوة والنخبة
لتفهم كيف أديرت التحولات الكبرى، ينبغي التمييز بين ثلاثة مفاهيم يقع الخلط بينها دائماً:

الخاصة: أسر أرستقراطية ودينية ووجاهات اجتماعية توارثت مكانتها كابر عن كابر، كبيوتات بغداد القديمة، وأسر العلم في النجف، وعائلات الموصل التشاركية. فاعليتها رمزية اجتماعية، لا تطالب بالسلطة المباشرة بل تكتفي بنفوذها الموروث.

الصفوة: طبقة صُنعت في أروقة الإدارة الاستعمارية أو المكاتب الحزبية والمحاصصات. لم تبنِ نفوذها بنفسها، بل مُنحت إياه منحاً من جهات خارجية أو سلطوية، ولذا يبقى ولاؤها دائماً للجهة التي رفعتها.

النخبة: القوة الاجتماعية التي صنعت مكانتها بجهدها المعرفي والميداني، وقدرتها على تسمية الأشياء بأسمائها وقيادة المجتمع بوعي وتجرد.

الفارق جوهري ومباشر: الخاصة ترث الوجاهة، والصفوة يُصنع نفوذها وتُمنح الكرسي، والنخبة الحقيقية تصنع نفسها من قاع الواقع.

البلاغة الزائفة والواقع العراقي
أزمتنا المعاصرة هي سيادة “الصفوة المصنوعة” على حساب “النخبة الحقيقية”. صفوة اقتُلعت من جذورها الاجتماعية، وتغربت فكرياً، ثم عادت لتتخذ قرارات مصيرية تخص مجتمعاً تجهل تعقيداته العشائرية والمدنية.

وقد عبّر الفيلسوف فرانز فانون عن هذه الحالة بقوله: “وجوه سوداء بعقول بيضاء”؛ أناس يحملون ملامح مجتمعاتهم لكنهم يفكرون بعقل وافد لا يتطابق مع بيئتهم. وفي العراق، تجلت هذه الظاهرة في تسيد مصطلحات معزولة عن الشارع:

حين يتحدثون عن “الحرية”، يقصدون حرية القوى السياسية في التمدد والمغانم.

حين يرفعون شعار “الشعب”، يقصدون أتباعهم والجمهور المغلق.

حين ينادون بـ “الوطن”، يقصدون شبكات المصالح التي تضمن بقاءهم.

هذا الانفصال ينتج ما يعبر عنه العراقيون بـ “حچي الجرائد”؛ كلام فاخر ينتهي مفعوله بمجرد إغلاق الصفحة، دون أن يغير من الواقع شيئاً.